المبعوث الأمريكي: أعظم فرصة للأكراد هي تحت قيادة الحكومة السورية بقيادة الشرع

"نحن لسنا للبيع" لافتة رُفعت في أقصى شمال العالم وعلى أكبر جزيرة على وجه الأرض حيث يمضي الزمن ببطء شديد بينما تركض الدول نحوها لتجبرها على الدخول في قلب عاصفة جيوسياسية لم تخترها يومًا..
غرينلاند .. أرض الأحلام السياسية في القرن الحادي والعشرين ..
مدعيًا أن السفن الروسية والصينية منتشرة حول الجزيرة ولأسباب وصفها بالأمنية، تصاعدت تهديدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في الآونة الأخيرة بشكل دراماتيكي، وأصرَّ على أن بلاده بحاجة لغرينلاند قائلًا:"سنفعل شيئًا بخصوص غرينلاند سواء أعجبهم ذلك أم لا"..
حماسة ترامب انتقلت للكونغرس أيضًا حيث قدَّم العضو الجمهوري عن ولاية فلوريدا راندي فاين مشروع قانون لضم غرينلاند وجعلها الولاية الأمريكية رقم 51. ووسط كل هذا التصعيد والتهديد بدأت أوروبا بتحركات لمحاولة تهدئة ترامب وبحثت نشر قوات من الناتو بهدف تعزيز الوجود العسكري لحماية القطب الشمالي تحت عنوان "حارس القطب الشمالي" وهو عنوان مهمة اقترحت ألمانيا أن ينفذها الناتو لضبط بوصلة التطورات في الإقليم الدنماركي الذي يتمتع بحكم ذاتي ..
وبعيدًا عن الضجيج الأمريكي تتحرك روسيا والصين في ملف غرينلاند بهدوء حذر ومحسوب، فموسكو تنظر إلى الجزيرة كعنصر أساسي في معادلة الأمن العسكري في القطب الشمالي، وخلال السنوات الأخيرة عززت وجودها العسكري في القطب الشمالي عبر إعادة تشغيل قواعد سوفيتية قديمة ونشر أنظمة دفاع جوي وسفن كاسحة للجليد؛ ما يجعل أي تموضع أمريكي أو أطلسي إضافي في غرينلاند تهديدًا مباشرًا لتوازن الردع في الشمال.
لكن بالنسبة للصين فهي تسلك طريق النفوذ الاقتصادي طويل الأمد عبر الاهتمام بالاستثمار في التعدين والبنية التحتية، لكن هذه التحركات قوبلت بتقييد عملي تجلى في تعطيل مشاركة بكين في مشاريع المطارات عام 2018 بعد اعتراض أمريكا والدنمارك، كما تم تشديد القوانين البيئية وحظر تعدين اليورانيوم في غرينلاند؛ ما عطل مشروع منجم كفانيفيلد الذي كانت تشارك فيه شركات ذات ارتباطات صينية .. لكن السؤال المطروح هنا: ماذا يدور في الداخل الغرينلاندي؟
منذ عام 2009 يتمتع الغرينلانديون بحكم ذاتي موسع، يشمل إدارة الموارد الطبيعية والشؤون الداخلية، لكن مع احتفاظ الدنمارك بملفات الدفاع والسياسة الخارجية إلا أن هذا الوضع خلق تيارًا وطنيًّا متصاعدًا يرى في الاستقلال هدفًا تاريخيًّا مؤجلًا، والآن وفي ظل هذه العاصفة التي تحيط بغرينلاند من كل حدب وصوب تشير أحدث استطلاعات الرأي إلى أن نحو 85% من سكان غرينلاند يعارضون أن تصبح بلادهم جزءًا من الولايات المتحدة، بينما يؤيد هذا الخيار نحو 6% فقط من السكان ويميل 9% إلى التردد حيث يبدي شعب الإنويت الذين يشكلون نحو 90% من السكان الأصليين موقفًا واضحًا قائمًا على خبرة تاريخية طويلة مع الاستعمار والتحكم الخارجي، سواء من الدنمارك أو من القوى الكبرى الأخرى، ويرفضون بشدة أن تكون جزيرتهم “سلعة” يتمُّ المتاجرة بها بين القوى الكبرى، ويرون أن السيناريو الأمريكي يهدد اللغة الغرينلاندية، أنماط الحياة التقليدية، ونموذج الحكم المحلي القائم على الخصوصية الثقافية..
إذا نظرنا إلى غرينلاند من منظور اقتصادي فهي جزيرة يشكل الصيد البحري أكثر من 95% من صادراتها، تمتلك ثروات طبيعية هائلة تقدر بأكثر من 4 تريليونات دولار، لكنها غير مستغلة بالشكل الصحيح بسبب واقع يصطدم بهشاشة البنية التحتية، وقسوة المناخ وبُعد المسافات. ورغم الحديث المتكرر عن الثروات الهائلة لغرينلاند، فإن المفارقة الكبرى تكمن في اعتمادها المالي شبه الكامل على الخارج إذ تشكل الإعانة السنوية التي تقدمها الدنمارك ما يقارب (600 مليون دولار)، أي أكثر من 50% من الموازنة العامة لغرينلاند، هذا الرقم وحده يفسر لماذا يبقى خيار الاستقلال الكامل مؤجلًا رغم الزخم القومي.. لكن غرينلاند تمتلك شيئًا أهم من ذلك بكثير وهو الموقع ..
يرى محللون أن أي نفوذ مباشر هناك يعني تفوقًا إستراتيجيًّا في التحكم بالممرات البحرية والموارد فهي تمتلك موقعًا حيويًّا بين الولايات المتحدة وأوروبا وتقع ثلث أراضيها ضمن الدائرة القطبية الشمالية وتتمتع بإطلالة مباشرة على طرق التجارة الرئيسية في شمال الأطلسي، كما أن ذوبان الجليد القطبي وظهور ممرات بحرية جديدة أسهما في رفع أسهم موقعها الذي بات يمثل اختصارًا لطرق الشحن الدولية، ويتيح للدول الكبرى نفوذًا على التجارة البحرية، لكن ذلك ربما يضعها في مأزق كبير فمن جهة لا استقلال اقتصاديا دون شراكات دولية قوية ومن جهة أخرى لا رغبة في خضوع سياسي لأطراف أجنبية مقابل وعود اقتصادية فقط..
من قلب الجزيرة المكبلة بالثلوج والتعقيدات الجيوسياسية يخوض الغرينلانديون معركة تعريف الذات في عالم يعيد ترتيب خرائط النفوذ وبين تهديدات ترامب وحسابات الناتو، وحذر روسيا، ونفوذ الصين الصامت، تحاول الجزيرة الصغيرة أن تقول "لا" في زمن لا يُسمع فيه إلا صوت الكبار ..