تُصعّد طهران من لهجتها قبيل محادثات إسلام آباد، ملوّحة بالانسحاب من المسار التفاوضي، في وقت لم يمضِ فيه سوى يومين على اتفاق وقف إطلاق النار الهش.
هذا التهديد، الذي يأتي بالتوازي مع استمرار التوتر في لبنان والجدل حول شروط الهدنة، يفتح الباب أمام تساؤل مركزي: هل تستخدم إيران ورقة الانسحاب لتحسين شروطها، أم أن الأمر يعكس ارتباكًا فعليًا في إدارة الملف بعد الحرب؟
نقل موقع أكسيوس أن مسؤولين إيرانيين أبدوا استياءً من خرق ما وصفوه بثلاثة بنود أساسية في التفاهم الأولي، معتبرين أن الذهاب إلى محادثات إسلام آباد "غير منطقي" في ظل استمرار التصعيد، خاصةً في لبنان.
كما أشارت تقارير إلى أن رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف اعتبر أن المحادثات فقدت معناها بعد ما وصفه بـ"انتهاك الاتفاق" ، في موقف يعكس تصعيدًا سياسيًا قبل انطلاق المفاوضات.
في المقابل، أكدت رويترز أن الولايات المتحدة لم توافق أصلًا على شمول لبنان في الهدنة، ما يكشف أن الخلاف لا يتعلق فقط بالتطبيق، بل بتفسير الاتفاق نفسه.
الخلاف بين الطرفين لا يقتصر على التفاصيل، بل يمتد إلى جوهر التفاهم؛ فبينما ترى طهران أن وقف إطلاق النار يجب أن يشمل الجبهات المرتبطة بها، تصر واشنطن على حصره في المواجهة المباشرة مع إيران.
هذا التباين في القراءة، كما توضح تقارير رويترز، أدى إلى حالة من "سوء الفهم المشروع" ، وفق تعبير نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس، ما يجعل المحادثات المقبلة تبدأ من أرضية غير مستقرة.
كما أن استمرار العمليات العسكرية في لبنان، رغم التهدئة مع إيران، يعقّد المشهد، ويمنح طهران ذريعة إضافية للضغط أو التلويح بالانسحاب.
في قراءة هذا التصعيد، يرى الباحث السياسي العراقي مهند الجنابي أن "تهديد إيران بالانسحاب لا يمكن فصله عن محاولتها تحسين شروط التفاوض، لكنه في الوقت نفسه يعكس قلقًا داخليًا من الذهاب إلى اتفاق لا تستطيع تبريره داخليًا".
ويضيف أن "طهران تحاول استخدام التلويح بالانسحاب كأداة ضغط، لكنها تدرك أن خياراتها محدودة بعد الحرب، ما يجعل هذا التهديد أقرب إلى مناورة تكتيكية ضمن هامش ضيق، لا ورقة استراتيجية حاسمة".
ويشير الجنابي إلى أن" التناقض في المواقف الإيرانية، بين القبول بالمحادثات والتشكيك فيها، يعكس تعدد مراكز القرار داخل النظام، وهو ما يُضعف قدرتها على فرض شروط واضحة أو التراجع المنظم".
تأتي هذه التطورات في وقت تستعد فيه الأطراف للقاء في إسلام آباد، وسط توقعات بأن تكون المحادثات صعبة ومعقدة، خصوصًا مع استمرار الخلاف حول ملفات أساسية مثل البرنامج النووي، والصواريخ، ودور إيران الإقليمي.
كما تشير تحليلات مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية إلى أن الهدنة الحالية تُعد مرحلة اختبار، وأن أي فشل في ضبط التوترات قد يؤدي إلى انهيار سريع للمسار التفاوضي.
لا يبدو تهديد إيران بالانسحاب خطوة منفصلة، بل جزء من معركة تفاوضية تُدار تحت ضغط عسكري وسياسي واقتصادي.
فطهران تحاول رفع سقفها قبل الجلوس إلى الطاولة، لكنها في الوقت نفسه تواجه واقعًا جديدًا فرضته الحرب، يحدّ من قدرتها على المناورة.
وبين ورقة الضغط ومؤشرات الارتباك، تبقى النتيجة واحدة: محادثات تبدأ تحت تهديد الانسحاب، لكنها تعكس أكثر مما تخفي حجم القيود والصعوبات التي تواجهها إيران في هذه المرحلة.