تكشف التحضيرات الجارية لمحادثات إسلام أباد بين الولايات المتحدة وإيران عن مشهد غير مستقر داخل طهران، حيث لا يبدو أن ملف الهدنة والتفاوض يُدار من مركز واحد، بل عبر شبكة متداخلة من المؤسسات السياسية والعسكرية. هذا التداخل، الذي يظهر بوضوح في التصريحات المتناقضة، يضع علامات استفهام حول الجهة التي تملك القرار النهائي، وحول طبيعة الموقف الإيراني في المرحلة المقبلة.
يتصدر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي واجهة التفاوض، حيث تشير تقارير رويترز إلى أنه بات من أبرز الشخصيات التي تدير هذا الملف، ويتمتع بقبول نسبي داخل مؤسسات النظام.
لكن في المقابل، تؤكد المصادر نفسها أن عراقجي لا يتحرك منفردًا، إذ يُرافقه في هذا المسار رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، وهو أحد الوجوه البارزة في الحرس الثوري سابقًا، ما يعكس أن التفاوض لا يجري بمنطق دبلوماسي صرف، بل ضمن إطار أمني - سياسي مشترك.
كما أظهرت تقارير أخرى أن قنوات الاتصال التي سبقت الهدنة شملت شخصيات أمنية بارزة، ما يعزز فرضية أن القرار النهائي لا يزال بيد مؤسسات الأمن القومي.
وراء الواجهة الرسمية، يبرز دور الحرس الثوري بوصفه الجهة الأكثر تأثيرًا في تحديد مسار الحرب والتفاوض. فقد نقلت رويترز أن الاتصالات التي سبقت التهدئة شملت شخصيات أمنية مثل أحمد وحيدي، في مؤشر على أن القرار لم يكن بيد وزارة الخارجية فعليا، بل في يد وحيدي والحرس الثوري.
وتشير تحليلات صادرة عن المجلس الأطلسي إلى أن الحرس الثوري يمسك بمفاصل القوة داخل إيران، سواء على المستوى العسكري أو الاقتصادي، وهو ما يجعله لاعبًا أساسيا لا يمكن تجاوزه في أي مسار تفاوضي.
كما يؤكد مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية أن بنية النظام الإيراني تجعل من الصعب فصل القرار السياسي عن المؤسسة العسكرية، خصوصًا في أوقات الأزمات.
تعكس التصريحات الإيرانية المتناقضة هذا التداخل في مراكز القرار. ففي حين يتحدث عراقجي بلغة تفاوضية حذرة، خرج قاليباف بتصريحات تشكك في جدوى المحادثات، معتبرًا أنها فقدت معناها بعد "الخروقات" التي رافقت الهدنة، بينما يرفع الحرس الثوري السقف أكثر، وفق ما نقلته وول ستريت جورنال.
هذا التباين لا يبدو مجرد اختلاف في الأسلوب، بل يعكس تعددًا فعليًا في مراكز القرار، حيث تحاول كل جهة الحفاظ على موقعها داخل المعادلة، في ظل ضغوط داخلية وخارجية متزايدة.
يرى الباحث السياسي مازن بلال أن "تعدد مراكز القرار داخل طهران لا يعكس قوة بقدر ما يكشف عن ارتباك في إدارة المرحلة بعد الحرب، حيث تحاول المؤسسات المختلفة إعادة توزيع أدوارها بما يحفظ توازن النظام".
ويضيف بلال أن "الدبلوماسية الإيرانية تتحرك تحت سقف أمني صارم، ما يعني أن أي تفاوض لن يكون مستقلاً، بل مرتبطًا بحسابات الحرس الثوري، وهو ما يفسر التناقض في التصريحات بين الانفتاح الظاهري والتشدد الفعلي".
ويشير إلى أن" هذا المشهد يعكس محاولة إيرانية للجمع بين خيارين متناقضين: التفاوض لتخفيف الضغوط، والحفاظ على خطاب القوة داخليًا، وهو ما يجعل موقفها أقل وضوحًا وأكثر هشاشة في مواجهة الضغوط الدولية".
لا يبدو أن هناك جهة واحدة تحتكر القرار في طهران، بل منظومة معقدة تتقاطع فيها صلاحيات الدبلوماسية مع نفوذ المؤسسة العسكرية، تحت إشراف القيادة العليا.
وهذا الواقع يجعل مفاوضات إسلام أباد اختبارًا مزدوجًا، ليس فقط لقدرة إيران على التوصل إلى اتفاق، بل لقدرتها أيضًا على توحيد قرارها الداخلي.
وفي ظل هذه المعطيات، تبدو طهران أقل قدرة على فرض شروطها، وأكثر ميلًا إلى التفاوض تحت ضغط الواقع الجديد الذي فرضته الحرب.