الجيش الإسرائيلي: بدأنا بضرب مواقع إطلاق صواريخ تابعة لحزب الله في لبنان
رأى خبراء أن مدينة نارفا الإستونية، الواقعة على الحدود مع روسيا، تحولت إلى ساحة اختبار أوروبية، بعد أن تصاعدت نقاشات مؤخرًا، تتحدث عن وجود رغبة بعض سكانها في الانفصال عن إستونيا والانضمام إلى موسكو.
وأكدوا لـ"إرم نيوز"، أن نارفا تمثل موقعًا حساسًا، نظرًا لقربها الجغرافي من روسيا وأهميتها الاستراتيجية في محيط بحر البلطيق، لافتين إلى أن جذور التوتر في مناطق الأقليات الناطقة بالروسية تعود إلى مرحلة ما قبل الحرب الأوكرانية.
ويتزامن تصاعد تلك النقاشات، مع نشر دعوات تحمل مسمى "جمهورية نارفا الشعبية" عبر منصات التواصل الاجتماعي، في وقت تؤكد فيه السلطات المحلية والأمنية عدم وجود أي تحركات فعلية على الأرض تشير إلى هذا الاتجاه.
ووصفت أجهزة الاستخبارات الإستونية هذه الدعوات بأنها "استفزازية"، مؤكدة أنها لا تستند إلى وقائع ميدانية داخل المدينة وذلك في ظل غياب أي نشاط سياسي أو تنظيمي يدعم فكرة الانفصال أو تغيير الوضع القانوني لنارفا داخل إستونيا.
بدورها، قالت عمدة نارفا كاتري رايك، إن سكان نارفا قلقون بشأن صورة مدينتهم، وهذه التقارير تمنحها دعاية سلبية لا يريدها أحد، والناس هنا يحبون مدينتهم، ولا يملكون الوقت لاختراع مثل هذه القصص.
من جهتها، أكدت نائبة رئيس مجلس المدينة يانا كوندراشوفا، أن هناك دائمًا أشخاصًا لديهم آراء أكثر تطرفًا، وبالطبع لدينا مثل هؤلاء، لكنهم لا يمثلون ظاهرة واسعة الانتشار، مؤكدة أن هذه التوجهات تظل محدودة داخل المجتمع المحلي.
وعلى الجانب الروسي، سبق أن أشار الرئيس فلاديمير بوتين إلى نارفا خلال منتدى اقتصادي في سانت بطرسبرغ عام 2022 باعتبارها من الأراضي التي استعادتها روسيا تاريخيًا، وهو تصريح أثار احتجاجات رسمية في إستونيا، دون أن يرتبط بأي تطورات ميدانية داخل المدينة.
وقال ديميتري بريجع، مدير وحدة الدراسات الروسية في مركز الدراسات العربية الأوراسية، إن المعطيات المتاحة لا تشير إلى وجود أي توجه مؤسسي أو حراك شعبي منظم داخل مدينة نارفا يدعو للانضمام إلى روسيا.
وبيّن لـ"إرم نيوز"، أن نارفا تحولت إلى مساحة اختبار أوروبية تتقاطع فيها قضايا الهوية والأمن والحرب المعلوماتية، خاصة في ظل موقعها الحدودي وتركيبتها السكانية التي يغلب عليها الناطقون بالروسية.
وأضاف بريجع أن هذا الواقع الديموغرافي لا يعكس بالضرورة وجود نزعة انفصالية، خاصة وأن أغلب النقاشات تُدار خارج المدينة أكثر مما تنبع من داخلها، لافتًا إلى أن تعقيد الهوية في نارفا يعكس حالة مشابهة لما شهدته مناطق في شرق أوكرانيا، حيث تتداخل الانتماءات الثقافية مع الحدود السياسية.
وكشف أن استفتاء الحكم الذاتي غير الرسمي عام 1993 لا يزال حاضرًا في الذاكرة، إلا أن المسار العام منذ ذلك الحين اتجه نحو التكيف داخل الدولة الإستونية، مبينًا أن الدعوات عبر الإنترنت لا تعكس حراكا داخليا حقيقيا، بل تُصنف ضمن عمليات معلوماتية تستهدف خلق انطباع بوجود نزعة انفصالية.
وأكد بريجع أن فهم المشهد يتطلب التمييز بين استياء محلي محدود مرتبط بعوامل اقتصادية واجتماعية، وبين استثماره إعلاميًا في إطار الحرب الهجينة، إلى جانب رد إستوني قائم على تعزيز السيادة والاندماج.
من ناحيته، قال كارزان حميد، المحلل السياسي والخبير في الشؤون الأوروبية، إن جذور التوتر في مناطق الأقليات الناطقة بالروسية تعود إلى مرحلة ما قبل الحرب الأوكرانية، حين اتجهت دول الاتحاد السوفيتي السابق إلى إعادة صياغة هوياتها الوطنية بعيدًا عن الإرث الروسي، وهو ما خلق فجوة متزايدة مع موسكو.
وأشار لـ"إرم نيوز" إلى أن هناك روايتين متقابلتين تفسران التحركات الروسية في هذه المناطق؛ الأولى روسية ترى أن التدخل يهدف إلى حماية الهوية، والثانية غربية تعتبره محاولة لإعادة النفوذ السوفيتي بصيغة جديدة.
وأوضح حميد أن الواقع يقع بين هذين التفسيرين، حيث تمثل هذه المناطق بؤر توتر قابلة للاشتعال، وقد تتحول إلى نقاط صدام أوسع بين روسيا وأوروبا، منوهًا إلى أن بعض السياسات الأوروبية ساهمت في تعقيد المشهد، عبر محاولات دمج الأقليات دون معالجة كافية لهواجسها، وهو ما أدى إلى تصاعد مشاعر التهميش والشك المتبادل.
ولفت إلى أن تجربة شرق أوكرانيا عام 2014 شكلت نقطة تحول دفعت موسكو لاستخدام ورقة الأقليات بشكل أكثر وضوحًا لاحقًا، مؤكدًا أن تداعيات هذا المسار لا تزال مستمرة.
وأكد حميد أن نارفا تمثل موقعا حساسا في هذا السياق، نظرًا لقربها الجغرافي من روسيا وأهميتها الاستراتيجية في محيط بحر البلطيق، لافتًا إلى أن موسكو لا تتجه حاليًا إلى تصعيد مباشر في هذه المنطقة، بل تراقب توازنات القوى، خاصة ما يتعلق بتماسك حلف شمال الأطلسي "الناتو" والدعم الأمريكي لأوروبا.
وذكر أن مسار الحرب في أوكرانيا سيظل عاملا حاسما في تحديد الخيارات الروسية، مشددًا على أن القضية ترتبط بإعادة تعريف دور روسيا عالميًا.