كشف هجوم يوم الثلاثاء الماضي في إسطنبول، أن تنظيم "داعش" لا يزال قادراً على العمل في تركيا رغم حملات الملاحقة المكثفة لخلاياه في الفترة الماضية التي شهدت عودة الهجمات للبلاد بعد سنوات من الهدوء.
كما كشف التوصيف التركي الرسمي للخلية التي نفذت الهجوم قرب مبنى القنصلية الإسرائيلية في إسطنبول، بأن أنقرة تتبع نهجاً جديداً في التعامل مع "داعش" لتقليل تداعيات هجمات التنظيم على سمعة البلاد الأمنية والاقتصادية.
ووقع الهجوم الذي قُتل فيه أحد أفراد الخلية وأصيب رفيقاه الآخران، في وضح النهار، وفي قلب إسطنبول الذي يشهد تواجداً أمنياً مكثفاً، وبعد ثلاثة أشهر من حملات ملاحقة طالت مئات الأعضاء والمتهمين بالانتماء لداعش ومصادرة أسلحة متنوعة وإحباط هجمات في مختلف أنحاء تركيا.
كما وقع الهجوم بعد مقتل ستة رجال أمن في مواجهتين مسلحتين منفصلتين في إزمير ويالوفا، خلال سبتمبر/ أيلول وديسمبر/ كانون الأول الماضيين، وجاءتا بعد هدوء طويل استمر قرابة عشر سنوات لم ينفذ فيها داعش هجمات دامية.
وأعلن وزير العدل التركي، ضبط نحو 200 متهم من أصل قرابة 300 شخص لاحقتهم الشرطة عقب هجوم إسطنبول، في حملة تستهدف أعضاء تنظيم "داعش"، وفي إشارة رسمية لكون التنظيم هو من يقف خلف الهجوم أو على علاقة به.
وامتدت حملة الملاحقة، إلى 34 محافظة تركية موزعة بين جهات البلاد، بما في ذلك غرب تركيا الذي يوصف بأنه معقل للمعارضة العلمانية في تركيا، ما أشار لتواجد خلايا التنظيم على نطاق واسع.
وكان تقرير "المرصد الدولي للتطرف"، والذي يديره أكاديميون أتراك من أنقرة، قد خلص إلى أن "داعش" تخلى عن استراتيجيته التنظيمية المركزية، ويركز الآن على تبني وتنظيم مجموعات صغيرة محليًا بأيديولوجية سلفية، وتجنيد الأفراد في البيئة الرقمية.
وأضاف التقرير الذي صدر الشهر الماضي وحمل عنوان: "تطرف داعش في تركيا: هياكل النساء والشباب، والتحول الاستراتيجي"، أن "داعش" يحافظ على تواجد مادي ورقمي في تركيا بوقتٍ واحد، من خلال مدارس دينية وجمعيات خيرية ومكتبات ومنصات افتراضية للتواصل ونشر الفكر السلفي.
لفت وزير الداخلية التركي، مصطفى تشيفتشي، الأنظار عقب هجوم إسطنبول بوقت قصير، حيث وصف أحد منفذي الهجوم بأنه ينتمي إلى "منظمة تستغل الدين"، وتجنب ذكر اسم "داعش".
وأثار ذلك التوصيف نقاشات واسعة داخل الأوساط السياسية والبرلمانية والإعلامية، وجرَّ على الوزير انتقادات حزب الشعب الجمهوري، أكبر أحزاب المعارضة التركية الذي وصف نائبه مراد باكان، توصيف الوزير بأنه "عمًى أيديولوجي".
وقال مصدر في حزب العدالة والتنمية الحاكم، إن هناك توجهاً حكومياً لتجنب ربط اسم تركيا مع هجمات تنظيم "داعش" خشية التأثير على سمعة البلاد الأمنية والاقتصادية مع تزايد هجمات خلايا "داعش" وعودة نشاطه في تركيا.
وأضاف المصدر لـ "إرم نيوز" أن وزير الداخلية الجديد تشيفتشي الذي تسلم منصبه حديثاً، لم يذكر اسم "داعش" في بيانه الأول عن الهجوم متجنباً تصريح سلفه علي يرلي كايا الذي وصف أعضاء خلية قُتلوا في ديسمبر الماضي بمواجهة مسلحة بأنهم من "داعش" و"أتراك"، ما أثار انتقادات داخل الحكومة حول ذلك الوصف.
واعتبرت وسائل إعلام وكتاب مقربون من الحكومة، توقيت الهجوم على داعش ومكانه رغم كون القنصلية الإسرائيلية خالية من الدبلوماسيين منذ أكثر من عامين، مؤشراً على أن الهجوم يستهدف سمعة تركيا الأمنية.
وقال الكاتب التركي، عبدالقادر سيلفي، إن وزير الداخلية مصطفى تشيفتشي، بذل أقصى درجات العناية لضمان عدم إضرار أي تصريحات يدلي بها بالصورة الإيجابية لتركيا.
وأضاف سيلفي في مقال بصحيفة "حرييت" القريبة من الحكومة، إن اختيار وصف "منظمة تستغل الدين" لهجوم إسطنبول، منع إطلاق حملة على وسائل التواصل الاجتماعي، باستخدام وسم "هجوم داعش في تركيا"، لتصوير تركيا كدولة غير آمنة وتواجه تهديدًا إرهابيًا.
ويمثل "داعش" تحدياً كبيراً وتهديداً جدياً لتركيا مع قدرة خلاياه وأعضائه على التخفي والتخطيط والظهور لتنفيذ الهجوم، بينما نجحت أنقرة حتى الآن في تجنب التحديات الخارجية التي تمثلها الحرب الروسية الأوكرانية في شمالها والحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في جنوبها.
وقال مدير المرصد الدولي للتطرف، الدكتور حلمي ديمير، الشهر الماضي، بالتزامن مع نشر تقرير المرصد عن "داعش"، إن المجموعات المتطرفة تعيش في تركيا بشكل شبه معزول ومكتفٍ ذاتياً.