logo
العالم

"جسر الصداقة" يتحول إلى خط مواجهة.. نارفا تختبر التزام "الناتو" ضد روسيا

نهر مدينة نارفا في إستونياالمصدر: فيسبوك

على ضفة نهر نارفا – الجسر بين إستونيا وروسيا – تختبر هذه المدينة الحدودية الصغيرة فكرة "الالتزام الجماعي" في حلف الناتو، ليس عبر تهديد نووي أو معركة ضخمة، بل عبر سيناريو عن قدرة الحلف على بدء الحرب ضد روسيا بسبب هذه المدينة.

وتقع نارفا في أقصى شمال شرق إستونيا، وتُعتبر بوابة طبيعية بين الاتحاد الأوروبي وروسيا، وكانت رمزًا للتعايش والتجارة، لكنها اليوم باتت رمزًا للقلق؛ بسبب قربها الشديد من إيفانغورود الروسية.

وبحسب البيانات يشكل الروس نحو 80% من سكان نارفا، وتبلغ نسبة المتحدثين بالروسية 97%، ما يجعل المدينة هدفًا محتملًا لسيناريوهات "الاستفزاز والاختبار".
 
ووفقًا للمراقبين، فإن السيناريو الذي يُناقش الآن في مراكز الدراسات وألعاب الحرب هو استغلال روسيا لتكتيكات مشابهة لضم القرم عام 2014، وأن الهدف ليس احتلال إستونيا بالكامل، بل السيطرة على نارفا، ثم تهديد تالين، وإجبار الناتو على خيارين: مواجهة روسيا مباشرة، أو الامتناع، ما يمثل اختراقًا للمصداقية الأطلسية.

واستجابة لهذا التهديد، بدأت إستونيا تعزيز حضورها العسكري في المنطقة، حيث أعلن رئيس مركز استثمار الدفاع  عن بدء بناء قاعدة عسكرية جديدة عام 2026 تستوعب نحو ألف فرد بتكلفة 15 مليون يورو.

كما تم تعزيز الحدود عبر تركيب سياج إضافي وتوسيع مراكز المراقبة، إضافة إلى خط دفاع بلطيقي بتكاليف بمليارات من الأموال.

في ديسمبر 2025، شهدت الحدود انتهاكًا من ثلاثة حراس روس عبروا نهر نارفا، وبقوا 20 دقيقة قبل العودة، وهو ما أعاد إشعال المخاوف، وأدى إلى رفع مستوى الدوريات والتأهب.

وشهدت المنطقة انتهاكات جوية في سبتمبر 2025، حين دخلت طائرات روسية المجال الجوي الإستوني لمدة دقائق، واعترضتها طائرات الناتو الإيطالية.

وفي نوفمبر، ظهرت دوريات روسية على النهر ترفع لافتة شركة فاغنر، في مؤشر على تصعيد رمزي أكثر من كونه عسكريًّا.

وتؤكد تصريحات الخبراء أن قرب نارفا من الحدود الروسية يجعلها نقطة اختبار محتملة لمصداقية حلف الناتو، في ظل احتمال استخدام موسكو لأساليب فرض أمر واقع مشابهة لسيناريو القرم، ما يضع الحلف أمام خيار صعب بين الرد العسكري أو الارتباك.

وأضاف الخبراء أن هذا الاحتمال يزداد تعقيدًا مع تراجع الثقة الأمريكية داخل التحالف، في ظل سياسات واشنطن المتذبذبة وتهديدات غرينلاند؛ مما يفتح الباب أمام تحول أوروبي نحو تقليل الاعتماد على الولايات المتحدة وإعادة بناء تحالفات جديدة.

في البداية، قال جيمس بوسبوتينيس، خبير الشؤون الأمنية والدفاعية البريطاني، إن مدينة نارفا الإستونية تمثل نقطة حساسة للغاية بسبب قربها من الحدود الروسية، ما يجعلها موقعًا محتملًا لتجربة موسكو قدرة حلف الناتو على الردع.

وكشف، في تصريح لـ"إرم نيوز"، أن هذا الاحتمال يرتبط بإرث تاريخي وسياسي قد يُستغل بطريقة مشابهة لسيناريو شبه جزيرة القرم، عبر استخدام عناصر "الرجال الخضر الصغار" لفرض أمر واقع سريع.

وأشار بوسبوتينيس إلى أن الهدف من هذا السيناريو سيكون اختبار مصداقية الناتو، عبر وضعه أمام خيار صعب، إما الدخول في حرب مباشرة مع روسيا دفاعًا عن مدينة إستونية صغيرة، أو الامتناع عن ذلك، مما يفضح ضعف التحالف.

وشدد في الوقت ذاته على أن هذا التصور يتجاهل قدرات الاستخبارات والدفاع الإستونية، مؤكدًا أن تالين لن تنتظر قرارًا من الحلف قبل الدفاع عن سيادتها، وأن لديها أدوات دفاعية تمكنها من التصدي لأي تحرك مفاجئ.

وأوضح الخبير البريطاني أن القرب من روسيا لا يعني بالضرورة وقوع هجوم، لكنه يخلق إمكانية لتحركات روسية تهدف لاختبار الحلف، وأن مواجهة هذا الاحتمال تتطلب تعزيز قدرات الردع والاستخبارات والدفاع القتالي.

وأشار إلى أن مصداقية الناتو باتت مرتبطة أيضًا بالسياسات الأمريكية، وأن التهديدات الأخيرة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن غرينلاند تضع التحالف أمام أزمة ثقة، إذ إن تهديد الولايات المتحدة لأراضي عضو في الحلف يثير تساؤلات حول مدى الاعتماد عليها في الدفاع عن الآخرين.

وأكد بوسبوتينيس أن انشغال روسيا بحرب أوكرانيا يحد من قدرتها على التحرك في ساحات أخرى، لكن وقف إطلاق النار قد يمنحها فرصة لإعادة بناء قوتها، ما قد يوسع نطاق التهديدات لاحقًا.

ولفت إلى أن موسكو تظل ملتزمة بإخضاع أوكرانيا، وأن أي توقف في الحرب لن يعني نهاية الصراع، بل تجميدًا مؤقتًا ما لم يحدث تحول جذري في طبيعة النظام الروسي.

واعتبر بوسبوتينيس أن التهديد الأمريكي بتنفيذ خطوة غرينلاند قد يكون أكثر خطورة من أي تهديد روسي، وأن تداعياته قد تمتد لتشمل بيئة الأمن الأوروبي بالكامل، وتعيد طرح أسئلة جوهرية حول مستقبل الناتو.

من جانبه، أشار ديميتري بريجع، مدير وحدة الدراسات الروسية بمركز الدراسات العربية الأوراسية، إلى أن انفتاح ألمانيا ودول أوروبية أخرى تجاه روسيا، وحتى إيطاليا، يعكس تحولًا واضحًا في السياسات الأوروبية التي كانت تعتمد سابقًا على الولايات المتحدة.

وأضاف أن روسيا ترى تغيرًا ملموسًا في مواقف القادة الأوروبيين أو في توقعات الانتخابات القادمة، مع صعود أحزاب تدعو للحوار والسلام مع موسكو.

وأكد مدير وحدة الدراسات الروسية بمركز الدراسات العربية الأوراسية أن هذا التحول قد يدفع الاتحاد الأوروبي إلى إعادة تقييم علاقته مع الولايات المتحدة، خاصة فيما يتعلق بالتزاماتها العسكرية تجاه الناتو.

وقال إن ما يجري مع ترامب، وفي حال سعيه للسيطرة أو ضم غرينلاند، قد يكون بداية تفكيك التحالف، ويمثل سياسة جديدة للاتحاد الأوروبي تجاه واشنطن.

وأشار بريجع إلى أن السيناريو قد يشبه جزئيًّا ما حدث في القرم، لكن هذه المرة يتعلق بتجاوز الولايات المتحدة أحيانًا إطار القانون الدولي، ما قد يؤدي إلى تأثيرات بعيدة المدى. 

أخبار ذات علاقة

من مشاركة ترامب في دافوس

ترامب في دافوس.. اختبار للالتزام الأمريكي تجاه حلفاء "الناتو"

وأضاف أن هناك انقسامًا كبيرًا قد يحدث بين أوروبا والولايات المتحدة، وأن الثقة في واشنطن في الملفات العسكرية قد تتراجع، خاصة أن أوروبا تعتمد على الولايات المتحدة في حماية عواصمها وأمنها القومي.

وأكد بريجع أن التحولات الحالية قد تفتح قنوات دبلوماسية جديدة مع روسيا، تشمل إمكانية رفع العقوبات عن الشركات الروسية، خاصة في قطاع النفط والغاز، وربما تعاونًا ثقافيًا وتعليميًّا.

logo
تابعونا على
جميع الحقوق محفوظة © 2026 شركة إرم ميديا - Erem Media FZ LLC