أكدت صحيفة "واشنطن تايمز"، أن تصدّع وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران لا يعكس مجرد فشل دبلوماسي عابر، بل يشير إلى تحوّل بنيوي في مسار الحرب، حيث تنتقل بؤر الضغط تدريجيًا من مضيق هرمز إلى ممرات ملاحية موازية، في مقدمتها باب المندب، الذي بات يُدار كأداة ضغط استراتيجية ضمن معادلة أوسع تقودها طهران عبر حلفائها الإقليميين.
منذ اللحظة الأولى لانهيار الهدنة، مع تصاعد الضربات الإسرائيلية على لبنان وردود الفعل الإيرانية، بقي مضيق هرمز شبه مغلق، ما دفع تدفقات الطاقة إلى البحث عن مسارات بديلة.
غير أن هذه المسارات نفسها بدأت تتعرض لضغوط متصاعدة، مع دخول ميليشيا الحوثي في اليمن إلى المشهد من زاوية مختلفة، ليست عسكرية مباشرة فحسب، بل اقتصادية، ملاحية تستهدف بنية التجارة العالمية ذاتها.
وذكرت الصحيفة أن الحوثيين لم يكونوا طرفًا في اتفاق وقف إطلاق النار، ما منحهم مساحة تحرك غير مقيّدة، تُرجمت سريعًا إلى خطوات عملية، أبرزها بدء مراقبة السفن العابرة في البحر الأحمر وفق اعتبارات سياسية، في إعادة إنتاج واضحة لنموذج "الضغط الانتقائي"، الذي استخدمته إيران في مضيق هرمز.
ولا يعكس هذا التحول مجرد تصعيد تكتيكي، بل يشير إلى انتقال الجماعة من دور "الداعم الناري" إلى فاعل جيو-اقتصادي قادر على التأثير في حركة التجارة.
وبيّنت الصحيفة أن الهجمات التي نُفذت باتجاه إسرائيل، رغم محدودية أثرها العسكري، تُقرأ كإشارات تموضع، لا كهدف نهائي، في إطار ما وصفه مسؤولون حوثيون بـ"معركة تُدار على مراحل".
وأفادت الصحيفة بأن الخطر الحقيقي لا يكمن في إغلاق باب المندب بالكامل، بل في تحويله إلى ممر "مكلف اقتصاديًا"، حيث تصبح كلفة العبور، وليس إمكانية العبور، هي أداة الضغط الأساسية.
ويعيد هذا التحول تعريف وظيفة المضائق البحرية من كونها نقاط اختناق جغرافية إلى أدوات تسعير للمخاطر، تُفرض من خلالها رسوم غير رسمية، وترتفع معها كلفة التأمين والشحن، وهو ما بدأ بالفعل مع فرض زيادات تصل إلى آلاف الدولارات لكل حاوية تمر عبر الممرات القريبة من اليمن.
وأكدت الصحيفة أن التدرج في انخراط الحوثيين يعكس نمطًا أوسع في إدارة الصراع من جانب إيران، يقوم على توزيع الأدوار بين الجبهات، بحيث يتم تفعيل كل ساحة في توقيت مختلف، وفق حسابات الضغط والتفاوض.
ويجعل هذا النمط من جبهة البحر الأحمر "احتياطيا تصعيديا"، يُستخدم عند الحاجة، دون استنزافه مبكرًا، ما يفسر محدودية الضربات الحالية مقارنة بالإمكانات المتاحة، خاصة في مجال استهداف الملاحة التجارية.
وأشارت "واشنطن تايمز" إلى أن ميناء الحديدة، الذي يُعد نقطة الانطلاق الرئيسة لأي تصعيد بحري، يعمل، حاليًا، دون رقابة دولية، بعد انسحاب بعثة الأمم المتحدة، في تطور يفتح المجال أمام استخدامه كمنصة لوجستية وعسكرية متقدمة.
كما أن التوسعات التي شهدها الميناء، بما في ذلك إنشاء أرصفة جديدة وتوسيع مناطق الشحن، تعزز من قدرة الجماعة على تنفيذ عمليات بحرية معقدة، في وقتٍ تتراجع فيه قدرة المجتمع الدولي على المراقبة أو الردع.
يتزامن هذا التصعيد مع تراجع واضح في القدرات البرية المناوئة للحوثيين داخل اليمن، بعد إعادة هيكلة القوى المحلية، ما انشأ فراغًا أمنيًا على الساحل الجنوبي.
ويعني ذلك أن أي رد محتمل سيبقى معتمدًا على أدوات خارجية، بحرية وجوية، دون وجود قدرة حقيقية على السيطرة الميدانية داخل مناطق الإطلاق، وهو ما يحدّ من فاعلية الردع التقليدي.
وأضافت الصحيفة أن تداعيات هذا التحول بدأت تتجاوز البعد العسكري، لتطال بنية الاقتصاد العالمي، حيث ارتفعت تكاليف الشحن والتأمين، وتراجعت جدوى بعض المسارات التجارية.
في المحصلة، لا يسعى الحوثيون، وفق هذا النمط، إلى إغلاق الممرات البحرية بقدر ما يعملون على "التحكم في كلفتها"، وهو تحول يعكس نضجًا في استخدام الأدوات الاقتصادية ضمن الصراع.
وبينما ينطوي هذا المسار على مخاطر كبيرة، فإنه يفتح في الوقت ذاته بابًا لتعزيز الموقع التفاوضي للجماعة في أي تسوية مستقبلية، خاصة إذا نجحت في تحويل باب المندب من ممر عبور إلى نقطة نفوذ ضمن معادلة إقليمية أوسع.