logo
العالم

تسوية "خط السيطرة".. "الواقعية السياسية" تعيد رسم حدود أوكرانيا

جنود أوكرانيون عند معبر حدوديالمصدر: (أ ف ب)- أرشيفية

ترى مجلة "فورين أفيرز" أن النقاش في الأوساط الغربية بدأ يتحول، بعد أربع سنوات من حرب أوكرانيا، من ديناميات ساحة المعركة إلى شروط السلام المحتمل، مع تزايد الحديث عن أن أي تسوية دائمة قد تتطلب الاعتراف رسمياً بحدود روسية-أوكرانية جديدة تتقاطع تقريباً مع خط السيطرة الحالي، رغم بقاء الفكرة شديدة الجدل.

بدأت الحرب في فبراير 2022 عندما أطلق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ما وصفته موسكو بـ"العملية العسكرية الخاصة". وفي المراحل الأولى، صاغت أوكرانيا وحلفاؤها الغربيون هدف الحرب باعتباره استعادة السلامة الإقليمية كاملة، بما في ذلك القرم وأجزاء شرق البلاد التي سيطرت عليها روسيا عام 2014.

من السلامة الإقليمية إلى الواقعية الاستراتيجية

يستند رفض الاعتراف الرسمي بالمكاسب الروسية إلى فرضيات راسخة في التفكير الغربي، أبرزها أن مبدأ السلامة الإقليمية يشكّل ركناً أساسياً في النظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية، وأن إضفاء الشرعية على تغيير الحدود بالقوة قد يشجع قوى أخرى على العدوان. كما يخشى كثيرون أن أي تنازل قانوني عن الأراضي سيُفسَّر بوصفه استسلاماً أوكرانياً ويقوّض فرص استعادتها مستقبلاً.

لكن تقرير "فورين أفيرز" يرى أن هذه الحجج تتجاهل الفجوة المتزايدة بين الواقع العسكري والادعاءات القانونية. فقد ضمّت روسيا القرم وأربع مناطق أوكرانية إلى دستورها، في وقت تغيّر فيه ميزان القوى تدريجياً مع استمرار الحرب، وسط مؤشرات إلى تفوق روسي في الأفراد والعتاد وتراجع اليقين بشأن استمرارية الدعم الغربي.

ومن هذا المنظور، قد لا يؤدي رفض الاعتراف بالخسائر الإقليمية إلى عكسها، بل إلى إطالة أمد الحرب من دون تغيير جوهري في نتيجتها.

إطار مقترح لتسوية السلام

يناقش التقرير تصوراً لاتفاق يقبل فيه الطرفان بحدود قريبة من خط السيطرة الحالي. وبموجب هذا الترتيب، تتخلى أوكرانيا عن مطالبها بالأراضي التي لا تسيطر عليها، بينما تقبل روسيا بحدود قانونية تقل عن المناطق التي أعلنت ضمها.

وقد يشمل الاتفاق تعديلات محدودة على خط الجبهة، وفترة انتقالية تسمح لسكان المناطق المتنازع عليها بالانتقال بحرية إلى الجهة التي يختارونها، إلى جانب ضمانات دولية للحدود الجديدة من شركاء موسكو والداعمين الرئيسيين لكييف. ويرى أصحاب هذا الطرح أن التسوية لن تمثل انتصاراً لأي طرف، بل تسوية واقعية تعكس موازين القوى. 

أخبار ذات علاقة

جنود من الجيش الأوكراني

هدنة مؤقتة أم "فخ تكتيكي"؟.. روسيا تختبر صبر أوكرانيا والغرب وسط محادثات "بناءة"

مراجعة حجة "السلامة الإقليمية"

تشير المجلة إلى أن الاعتقاد بأن النظام الدولي يعتمد على رفض صارم لتغيير الحدود بالقوة لا تدعمه التجربة التاريخية بالكامل، إذ تغيّرت حدود دول عدة منذ 1945 نتيجة الحروب من دون أن ينهار النظام الدولي.

كما أن عدم الاعتراف الغربي بضم القرم عام 2014 لم يمنع غزو 2022، ما يعزز فكرة أن قرارات الحرب تتحدد أساساً بالمصالح والقدرات العسكرية لا بالسوابق القانونية.

وتضيف المجلة أن تجربة روسيا في أوكرانيا، بما حملته من كلفة مرتفعة ومكاسب محدودة، قد تشكّل بحد ذاتها رادعاً لأي مغامرات مشابهة.

إعادة تعريف مفهوم الانتصار

يطرح التقرير مقاربة مختلفة لفكرة "الانتصار"، إذ يرى أن الهدف الأساسي منذ بداية الحرب كان الحفاظ على استقلال أوكرانيا، وهو هدف تحقق بالفعل. فالبلاد لا تزال دولة ذات سيادة، وقد عززت علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي واقتربت من المؤسسات الغربية، محققة مطالب رئيسية لحراك "الميدان الأوروبي".

ومن هذا المنظور، قد لا يهدد الاعتراف بحدود جديدة هذه المكاسب، بل قد يسهّل مسار الاندماج الأوروبي، خصوصاً أن الاعتراف القانوني لا يمنع إعادة التفاوض مستقبلاً إذا تغيّر ميزان القوى.

هل يقلل الاعتراف بالحدود خطر الحرب؟

تُظهر دراسات عديدة أن النزاعات الحدودية من أكثر أسباب الحروب بين الدول، بينما أسهمت تسويات حدودية في مناطق أخرى في تعزيز الاستقرار والنمو.

ويرى التقرير أن حدوداً واضحة بين روسيا وأوكرانيا قد تسهّل تحديد المسؤولية عن أي تصعيد مستقبلي وتدعم آليات الردع والعقوبات، كما قد تساعد على خفض التوتر العسكري وإضعاف الخطاب القومي الذي يغذي استمرار الحرب.

كما يؤكد أن إعادة إعمار أوكرانيا ستتطلب استثمارات ضخمة تعتمد على وضوح الحدود والاستقرار القانوني، إذ قد يردع الغموض المستمر المستثمرين ويُبقي البلاد في بيئة عالية المخاطر.

إلى جانب ذلك، فإن انضمام أوكرانيا إلى الاتحاد الأوروبي سيكون أكثر تعقيداً في ظل حدود غير مستقرة ومناطق نزاع نشطة، ما يجعل التسوية المحتملة عاملاً مساعداً في تحويل التركيز من الحرب إلى إعادة البناء.

مفاضلة صعبة

تبقى فكرة الاعتراف بحدود جديدة حساسة سياسياً وأخلاقياً، لأنها تعني تنازلات مؤلمة لكل من كييف وموسكو. ومع ذلك، ترى "فورين أفيرز" أن البديل، أي حرب طويلة بلا أفق واضح، قد يكون أكثر كلفة من حيث الأرواح والموارد والاستقرار الإقليمي.

ومع دخول الحرب عامها الخامس، يتحول السؤال تدريجياً من كيفية كسب الحرب إلى كيفية إنهائها، فيما يظل احتمال الاعتراف بحدود جديدة أحد أكثر السيناريوهات إثارة للجدل في البحث عن سلام دائم. 

أخبار ذات علاقة

نائب وزير الخارجية الروسي سيرغي ريابكوف

ضبط القواعد وإبقاء الحوار.. روسيا تسعى لفرض معادلة تفاوضية جديدة

 

logo
تابعونا على
جميع الحقوق محفوظة © 2026 شركة إرم ميديا - Erem Media FZ LLC