تجري المفاوضات بين واشنطن وطهران في مسقط وجنيف ضمن مسارين، يحمل كل منهما دلالته السياسية الخاصة.
ويعكس اختيار قناة الاتصال حجم التسوية المطروحة وحدودها العملية، الملف النووي يبقى في مركز النقاش، تحيط به ضغوط العقوبات، وهشاشة الاقتصاد الإيراني، وحسابات الإدارة الأمريكية، وتوازنات الإقليم.
أما الانتقال من مسقط إلى جنيف، فيضع العملية في مرحلة مختلفة تتصل بطبيعة الالتزامات الممكن تثبيتها، ومدى قدرتها على الصمود.
وتجاوز النقاش الدائر إدارة التوتر المباشر، واتجه نحو صياغة إطار يضبط مستويات التخصيب، ويرتب شكل العلاقة المقبلة، ضمن حدود أكثر تحديدًا من الناحية السياسية والتنفيذية.
ووصل وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى جنيف تمهيدًا لانطلاق الجولة الثانية من المحادثات غير المباشرة مع الجانب الأمريكي، المقررة غدًا الثلاثاء، بعد جولة أولى عُقدت في مسقط مطلع الشهر الجاري.
لذا، فإن الانتقال من مسقط إلى جنيف يمكن أن يعكس انتقالًا من قناة اتصال محدودة إلى مساحة تفاوض أوسع وأكثر انضباطًا إجرائيًا.
هذا التطور يضع المفاوضات في مرحلة اختبار، فجولة مسقط كانت مخصصة لاستكشاف النيات وتحديد خطوط أولية، أما جنيف فتدخل في مرحلة صياغة أكثر وضوحًا.
في حين، يشير وجود الوفد الإيراني في جنيف إلى أن طهران قررت مواصلة المسار تحت ضغط اقتصادي مستمر، وفي ظل حاجة داخلية لالتقاط متنفس مالي.
كذلك، فقد عقد الوفد الإيراني اجتماعات مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، رافائيل غروسي، قبيل جلسات التفاوض.
وتحمل هذه الاجتماعات دلالة عملية، بأن أي اتفاق مستقبلي سيعتمد على ترتيبات رقابية دقيقة، تشمل مستويات التخصيب ونطاق التفتيش وإجراءات التحقق.
وإدخال الوكالة في المشهد قبل بدء الجولة الرسمية في جنيف، يعكس إدراكًا بأن النقطة الأكثر حساسية تقنية بموازاة السياسية، ففي حين تبحث واشنطن عن آليات تحقق قابلة للتنفيذ، تحاول طهران ضبط سقف الالتزامات.
وإذا سلكت المفاوضات في جنيف مسار الحسم، فإن ذلك سيترتب على قدرة الطرفين على تثبيت ترتيبات رقابية يمكن الدفاع عنها سياسيًا.
وتمثل قناة عُمان نموذج التفاوض الهادئ القصير النفس، فقد وفرت مسقط تاريخيًا، مساحة آمنة لتبادل الرسائل الحساسة، وصياغة تفاهمات أولية بعيدًا عن ضغط الإعلام والحسابات السياسية الحساسة.
في هذا الإطار، يمكن للطرفين اختبار حدود المرونة دون التزام علني، وتخفيف الاحتكاك عندما ترتفع حرارة التصعيد.
هذه القناة مفيدة عندما يكون الهدف تجميدًا مرحليًا يتعلق بتقليص أنشطة معينة، وتخفيف عقوبات محددة، أو إدارة أزمة آخذة في الاتساع، لكنها بطبيعتها تنتج اتفاقات وظيفية أكثر منها تسويات نهائية.
جنيف، في المقابل، تمثل مسارًا مختلفًا، فالانتقال إلى فضاء تفاوضي ذي طابع دولي يفرض مستوى أعلى من الانضباط القانوني والسياسي، بحيث تصبح الصياغات أكثر دقة، والالتزامات أكثر وضوحًا، والتراجع أصعب.
هذا المسار، وإن كان أبطأ وأكثر تعقيدًا، لكنه يمنح أي اتفاق صفة رسمية تجعل كلفته السياسية أعلى على الطرفين.
وإذا كانت واشنطن تبحث عن إطار مستدام يقيّد السلوك الإيراني بآليات واضحة، فإن جنيف توفر البيئة الأنسب، غير أن هذا المسار يفتح ملفات أوسع، ويختبر استعداد طهران لتحمل التزامات لا يمكن تسويقها داخليًا بسهولة.
السؤال الحاسم يبقى متعلقًا بالهدف الأمريكي، فإذا كان الهدف في المرحلة الراهنة هو منع التصعيد النووي، والسيطرة على البرنامج الصاروخي الإيراني، وإدارة التهديد دون الانخراط في تسوية كبرى، فإن مسقط أقصر الطرق.
أما إذا كانت الإدارة الأمريكية ترى أن اللحظة تتيح فرض قواعد أكثر صلابة، فالمسار الأكثر علنية وانضباطًا يصبح ضرورة، حتى لو استغرق وقتًا أطول.
وفي كلتا الحالتين، ستتأثر النتيجة بميزان الضغط خارج غرف التفاوض، سواء كان ذلك من خلال أثر العقوبات على الاقتصاد الإيراني، أو حسابات الردع الإقليمي، بحيث يصبح التفاوض اختبارًا لقدرة كل طرف على تقدير كلفة الجمود مقارنة بكلفة التنازل.
بالتوازي مع النقاش النووي، أفادت تقارير نقلتها "رويترز" ووكالة "فارس"، بأن طهران عرضت إدخال عناصر تعاون اقتصادي ضمن مسار التفاوض.
وتحدث نائب وزير الخارجية الإيراني للشؤون الاقتصادية، حميد قنبري، عن اتفاق يحقق عوائد للطرفين، مشيرًا إلى قطاعات الطاقة والحقول المشتركة والاستثمارات التعدينية وشراء الطائرات كملفات يمكن إدراجها في التفاهم المحتمل.
هذا التوجه يعكس تحولًا في أسلوب التفاوض الإيراني، فإدخال ملفات اقتصادية يعتبر كمحاولة لإعادة صياغة طبيعة الاتفاق، حيث تسعى طهران إلى خلق شبكة مصالح متبادلة تجعل أي تسوية أكثر صلابة سياسيًا.
لذا، فإن الرهان الإيراني يقوم على أن وجود مكاسب مباشرة للشركات أو القطاعات الأمريكية يرفع كلفة الانسحاب من الاتفاق في المستقبل.
من جهة واشنطن، هذا العرض يضع إدارة ترامب أمام معادلة دقيقة، ففتح قنوات استثمار أو تجارة واسعة يتطلب بيئة قانونية مستقرة، وضمانات طويلة الأمد، وهو أمر يتجاوز إطار تفاهم مرحلي.
كما أن أي انخراط اقتصادي واسع سيواجه تدقيقًا داخليًا في الكونغرس، حيث يرتبط الملف الإيراني بحساسيات سياسية ممتدة.
إن إدخال البعد الاقتصادي إلى الطاولة يوسع نطاق النقاش من رقابة وتخصيب إلى منافع وعقود واستثمارات، ما قد يمنح المفاوضات دينامية إضافية، لكنه يرفع أيضًا مستوى التعقيد.
لذا، فإن نجاح هذا المسار يعتمد على قدرة الطرفين على الفصل بين الإطار النووي والالتزامات التجارية، وعلى استعداد واشنطن لربط تخفيف العقوبات بحزم اقتصادية محددة بدل الاكتفاء بإعفاءات محدودة وقابلة للإلغاء.
وعند وصوله إلى جنيف، أعلن وزير الخارجية الإيراني أنه يحمل "أفكارًا عملية" للتوصل إلى اتفاق، وتحدث عن صيغة "عادلة ومتوازنة"، مع تأكيده أن التفاوض لن يجري تحت ضغط.
الخطاب الإيراني في هذه المرحلة يركز على عنصري إظهار الاستعداد للحوار، ووضع حدود مسبقة لسقف التنازلات.
وتعكس الإشارة إلى "العدالة" و"التوازن" مطلبًا سياسيًا واضحًا حول تخفيف للعقوبات على أن يقابله التزام نووي محدد، لا إعادة فتح شاملة للملفات الإقليمية والعسكرية كاملة.
تمسك طهران بحصر التفاوض في الإطار النووي يكشف عن رغبة في تجزئة الملفات، بحيث يبقى البرنامج الصاروخي ودورها الإقليمي خارج نطاق المساومة الحالية.
في المقابل، يطرح مسؤولون أمريكيون تصورًا أوسع لأي تسوية محتملة، فبالنسبة لواشنطن، الاتفاق المقبول لا يقتصر على مستويات التخصيب، إنما يمتد إلى ما تعتبره مصادر الخطر طويل المدى، بما في ذلك برنامج الصواريخ الباليستية وشبكة النفوذ الإقليمي لطهران.
هذا الطرح يعكس رؤية استراتيجية تعتبر أن معالجة الجانب النووي بمعزل عن الأدوات العسكرية الأخرى يترك ثغرات مفتوحة، حيث تدرك الإدارة الأمريكية أن أي اتفاق يقتصر على النووي سيواجه انتقادات داخلية حادة، وقد يُنظر إليه باعتباره معالجة جزئية لا تغير ميزان التهديد في المنطقة.
لذلك يتقدم الحديث عن "اتفاق أشمل" حتى لو كان جدول جنيف الفعلي أضيق من ذلك.
وكان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قد شدد أيضًا على ضرورة أن يتضمن أي اتفاق نقل اليورانيوم المخصب خارج إيران، وتفكيك البنية التحتية للتخصيب، والتعامل مع ملف الصواريخ.
هذه الشروط تمثل السقف الإسرائيلي التقليدي، الذي يركز على إزالة القدرة التقنية وليس مجرد تجميدها.
ويؤثر وجود هذا الموقف في الخلفية مباشرة في حسابات واشنطن، فالإدارة الأمريكية تتفاوض ضمن شبكة تحالفات وضغوط إقليمية، وصيغة الاتفاق، إن تبلورت، ستُصاغ بحيث يمكن الدفاع عنها أمام الحلفاء.
في الوقت نفسه، تدرك واشنطن أن تبني الشروط الإسرائيلية كاملة يضع التفاوض في نقطة يصعب على طهران القبول بها، ما يعيد الملف إلى مسار التصعيد.