logo
العالم

مع إعادة إحياء التفاوض.. "خريطة النفوذ" تحدد مسار التسوية في أوكرانيا

قوة أوكرانية على جبهة القتال مع روسياالمصدر: رويترز

يبدو أن الحرب الروسية الأوكرانية عادت إلى واجهة التحركات الدبلوماسية الأمريكية مع سعي واشنطن لإحياء مسار التفاوض، في وقت تزداد فيه القناعة الدولية بصعوبة الحسم العسكري. 

أخبار ذات علاقة

فولوديمير زيلينسكي

زيلينسكي يناور واشنطن برسائل تحمل "لغة ترامب" لإنهاء حرب روسيا

ويأتي ذلك في ظل قبول الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي عرضًا أمريكيًا لاستضافة جولة جديدة من المحادثات، يُفترض أن تركز بشكل أساسي على الملف الأكثر حساسية وتعقيدًا، وهو الأراضي، وذلك وفقا لتصريحات زيلينسكي.

ووفقا للمراقبين، يشير التحرك الأمريكي إلى رغبة في تسريع التوصل إلى إطار سياسي ينهي القتال أو على الأقل يُضعف حدته، خاصة مع تكثيف مبعوثي الرئيس دونالد ترامب جهودهم لدفع الأطراف نحو طاولة التفاوض.

وبحسب تصريحات زيلينسكي، من المقرر أن تُعقد الجولة الجديدة يومي 17 أو 18 فبراير شباط الجاري، رغم الغموض الذي لا يزال يحيط بموقف موسكو من المشاركة ولا سيما إذا استُضيفت المحادثات داخل الولايات المتحدة.

ونفى زيلينسكي تقارير تحدثت عن قرب الإعلان عن انتخابات رئاسية أو استفتاء على اتفاق سلام، مؤكدًا أن أي استحقاق انتخابي يظل مشروطًا بوقف إطلاق النار وتوفير ضمانات أمنية حقيقية.

وشدد على أن أوكرانيا لن تذهب إلى صناديق الاقتراع في ظل استمرار الحرب، معتبرًا أن الأمن يسبق السياسة في هذه المرحلة.

وتشير التسريبات المتداولة، وفقا لصحيفة فاينانشال تايمز، إلى أن واشنطن وكييف ناقشتا تصورًا يقضي بطرح أي اتفاق سلام محتمل للاستفتاء الشعبي، بالتزامن مع الانتخابات الوطنية، في محاولة لإضفاء شرعية داخلية على أي تسوية يتم التوصل إليها.

ويظل جوهر المفاوضات مرتبطا بخريطة النفوذ على الأرض، لا بالإجراءات السياسية وحدها خاصة أن العقدة الأساسية تتمثل في إقليم دونباس، حيث تتمسك روسيا بالسيطرة الكاملة عليه، بينما تفضل كييف الإبقاء على خطوط التماس الحالية دون تقديم أي اعتراف قانوني أو سياسي بالمكاسب الروسية.

وفي هذا السياق، طرح مقترح أمريكي سابق إنشاء "منطقة اقتصادية حرة" تعمل كمنطقة عازلة، غير أن زيلينسكي أقر بأن الفكرة قوبلت بتشكك من الجانبين، الأوكراني والروسي على السواء.

أيضا يثير ملف إدارة أي منطقة عازلة محتملة تساؤلات إضافية، خاصة مع تشديد كييف على أن السيطرة الإدارية يجب أن تعود للدولة صاحبة السيادة، في حال اعتُبرت هذه الأراضي أوكرانية.

ومع القبول الأوكراني بالعرض الأمريكي لاستضافة جولة جديدة من المحادثات بهدف إنهاء الحرب الروسية، يبقى السؤال الأهم: هل تبدأ التسوية لإنهاء الحرب الروسية الأوكرانية من خريطة النفوذ؟.

يرى خبراء أن إعادة واشنطن فتح ملف الحرب في أوكرانيا هي محاولة أمريكية لإعادة ضبط مسار الصراع عبر بوابة التفاوض، في ظل قناعة متزايدة بصعوبة الحسم العسكري واستمرار كلفة النزاع دوليًا.

وذكر الخبراء أن قبول الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بالعرض الأمريكي لاستضافة جولة جديدة من المحادثات يهدف إلى إبقاء المسار الدبلوماسي حيًا، دون أن يعني ذلك وجود اختراق وشيك.

طموحات ترامب

وأكد السفير مسعود معلوف، الدبلوماسي السابق والخبير في الشؤون الأمريكية، أن إعادة واشنطن فتح ملف الحرب في أوكرانيا تعكس بالأساس رغبة الإدارة الأمريكية، بقيادة الرئيس دونالد ترامب، في تسجيل اختراق سياسي يُحسب لها على صعيد إدارة النزاعات الدولية.

وفي تصريح لـ"إرم نيوز"، أشار معلوف إلى أن ترامب، منذ حملته للعودة إلى البيت الأبيض، قدّم نفسه باعتباره "رئيس السلام"، وذهب إلى حد التعهد بإنهاء الحرب "خلال يوم واحد"، قبل أن يصطدم لاحقًا بتعقيدات الواقع الميداني وتشابك المصالح الدولية.

وكشف السفير الأمريكي السابق، أن واشنطن دفعت خلال الأشهر الماضية باتجاه مسار تفاوضي ثلاثي يضم روسيا وأوكرانيا والولايات المتحدة، غير أن هذه الجولات لم تُفضِ إلى نتائج ملموسة، وهو ما يعكس أن المشكلة لا تكمن في غياب الوساطة، بل في جوهر القضايا الخلافية نفسها.

وأوضح أن قبول الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بعرض أمريكي لاستضافة جولة جديدة من المحادثات يندرج ضمن محاولة كييف الحفاظ على الدعم الأمريكي وعدم الظهور بمظهر الطرف الرافض للحل.

وشدد معلوف على أن العقدة الحقيقية تكمن في خريطة النفوذ على الأرض، إذ تتعلق التسوية أولًا بمصير الأراضي التي تسيطر عليها روسيا، وهي مناطق تراها موسكو امتدادا جغرافيا وسياسيا لها، بينما تصر كييف على أنها جزء لا يتجزأ من السيادة الأوكرانية.

 وأكد أن الطروحات الأمريكية، ومنها تحويل هذه المناطق إلى مساحات اقتصادية مفتوحة، لم تنجح في كسر الجمود.

وأشار معلوف إلى أن مسار التسوية إن بدأ فلن ينطلق إلا من إعادة ترسيم النفوذ على الأرض، وهو ملف لا يزال شديد الحساسية ولا يوحي بحل قريب.

كلفة استمرار الحرب

من جانبه، أكد د. محمد عثمان، خبير العلاقات الدولية، أن التحرك الأمريكي الأخير هو إدراك من واشنطن لكلفة استمرار الحرب الروسية الأوكرانية، ليس فقط على أمن أوروبا، بل على النظام الدولي ككل.

وتابع: "إعادة إحياء المسار التفاوضي تهدف بالأساس إلى إدارة الصراع أكثر من حسمه، عبر خفض التصعيد ومنع انزلاق المواجهة إلى مستويات أخطر".

وشدد عثمان على أن ملف الأراضي يظل النقطة الأكثر تعقيدًا في أي مفاوضات مرتقبة، خاصة أن موسكو تتمسك بتكريس سيطرتها على مناطق في الشرق والجنوب، وتسعى كييف إلى تجميد خطوط القتال عند وضعها الحالي دون تقديم أي اعتراف سياسي أو قانوني بالمكاسب الروسية. 

أخبار ذات علاقة

مارك روته

"الناتو" يعلن تخصيص مئات الملايين لتزويد أوكرانيا بالسلاح الأمريكي

واعتبر الخبير في العلاقات الدولية أن هذا التباين الحاد يجعل فكرة الانطلاق من خريطة نفوذ متفق عليها أمرًا بالغ الصعوبة في المدى القريب.

وأضاف أن الخلاف لا يقتصر على الجغرافيا، بل يمتد إلى قضايا الضمانات الأمنية ومستقبل علاقة أوكرانيا بحلف شمال الأطلسي "الناتو"، وهي ملفات ما زالت تُعد خطوطا حمراء لدى جميع الأطراف.

ووفق عثمان، فإن أي جولة مفاوضات تستضيفها الولايات المتحدة لن تحقق اختراقا حقيقيا ما لم تُظهر القوى المنخرطة استعدادًا لتنازلات متبادلة.

وأشار إلى أن التسوية، إن كُتب لها أن تبدأ، فستكون تدريجية ومبنية على موازين النفوذ القائمة، لا على حلول مثالية بعيدة عن حسابات القوة.

logo
تابعونا على
جميع الحقوق محفوظة © 2026 شركة إرم ميديا - Erem Media FZ LLC