لم تعد تشغل أوروبا قضية مثلما يشغلها ملف اللجوء الذي تحول من مجرد شأن إداري وحق إنساني، إلى محور صراع سياسي يعيد تشكيل ملامح المشروع الأوروبي ذاته.
ورغم أن القارة العجوز تواجه تحديات مختلفة تتمثل في أزمات الطاقة والتضخم، والأعباء التي فرضتها الحرب الأوكرانية المندلعة منذ عام 2022 وتعزيز القدرات الأمنية والدفاعية، وتراجع الثقة في التحالف التقليدي مع واشنطن التي تطمح في ضم غرينلاند، إلا أن الهجرة تكاد تتصدر الأجندة العامة، لا لأنها الخطر الأكبر موضوعيا، بل لأنها الأكثر قدرة على تحريك الرأي العام وصوغ التحالفات السياسية وإعادة رسم المشهد الانتخابي.
وفي هذا السياق، جاءت موافقة البرلمان الأوروبي، الثلاثاء، على تعديلات في نظام اللجوء في الاتحاد الأوروبي بما يمهد لتسريع إجراءات رفض طلبات اللجوء وإمكانية ترحيل طالبي اللجوء إلى دول لا تربطهم بها صلة تذكر، في خطوة تعكس تصاعد السياسات المناهضة لاستقبال المهاجرين.
ويمثل نص التعديلات، الذي يتطلب موافقة رسمية نهائية من حكومات الدول الأعضاء بالاتحاد الأوروبي البالغ عددها 27 دولة، تشديدا كبيرا لسياسة الهجرة في التكتل.
ووافق البرلمان الأوروبي على التعديلات في لائحة إجراءات اللجوء لإدخال قائمة بالبلدان التي تعتبر "آمنة" والتي يمكن إعادة طالبي اللجوء المرفوضين إليها. وبموجب اللوائح الجديدة، يجوز لدول الاتحاد الأوروبي رفض طلب اللجوء إذا كان مقدمه يمكن أن يحصل على الحماية في بلد يعتبره الاتحاد آمنا.
ووفقا لمنظمات حقوقية، فإن هذه التعديلات ستؤدي الى رفض طلبات اللجوء في التكتل دون مراجعة، وترحيل طالبي اللجوء إلى دول لا تربطهم بها أي صلة".
وفي ضوء هذه القيود، يطرح الخبراء تساؤلات عما إذا كان اللجوء لا يزال حقا إنسانيا مكرسا في القانون والوجدان الأوروبي، أم أنه أصبح ورقة تفاوض ومساومة سياسية في لعبة الانتخابات.
وتأسس النظام الأوروبي لحماية اللاجئين على أنقاض الحرب العالمية الثانية، وتكرّس في اتفاقية جنيف لعام 1951 ومبدأ عدم الإعادة القسرية، بوصفه التزاما يقيّد سيادة الدولة حين يتعلق الأمر بحماية الفرد من الاضطهاد.
وكانت هذه المواثيق والتعهدات تمثل أحد الأعمدة الرمزية لهوية أوروبا كفضاء إنساني وقانوني يحتضن الفارين من النزاعات والحروب على نحو يتجاوز منطق القومية المغلقة.
غير أن أزمة 2015–2016، حين دخل أكثر من مليون لاجئ ومهاجر إلى أراضي الاتحاد، شكّلت لحظة مفصلية حادة، إذ كشفت هشاشة آليات التضامن بين الدول الأعضاء، فبعض الدول مثل ألمانيا تحملت العبء أكثر من غيرها، وأطلقت موجة سياسية صاعدة أعادت تعريف النقاش العام حول الهوية والأمن والاندماج.
ويرى الخبراء أن ملف اللجوء تحول، منذ موجة الهجرة المليونية، من ملف قانوني محض الى إختبار دائم للتماسك السياسي الداخلي، فلم تعد الهجرة تُدار فقط في ضوء الالتزامات القانونية، بل في ضوء استطلاعات الرأي، وما تفرزه صناديق الاقتراع.
وبهذا المعنى، فإن التعديلات المشددة الأخيرة لا تعد مجرد تحديث إجرائي وتقني، بل تعبّر عن انتقال القارة العجوز التدريجي من منطق "إدارة اللجوء داخل أوروبا" بشكل يراعي الالتزامات القانونية إلى "ردع الهجرة" طبقا لاتجاهات البوصلة السياسية والانتخابية في هذا البلد أو ذاك.
كما أن التعديلات الأخيرة تمثل امتدادا لمسار طويل نحو "التضييق على المهاجرين"، بدأ باتفاق الاتحاد الأوروبي مع تركيا في مارس/آذار 2016، ثم بتوسيع التعاون مع ليبيا منذ 2017، وصولا إلى اتفاق إيطاليا مع ألبانيا عام 2023 لإنشاء مراكز لمعالجة الطلبات خارج الأراضي الوطنية، فضلا عن قوانين على مستوى الدولة الوطنية تعزز التشديد.
ويطرح مراقبون مفارقات تتعلق بسياسات الهجرة التي ارتبطت في الأدبيات السياسية بتعبير "موسم الهجرة إلى الشمال"، في إشارة إلى حركة البشر من الجنوب الفقير نحو الشمال الغني، غير أن الاجراءات الأوروبية الجديدة باتت تطرح سؤالا معكوسا: هل بدأ، سياسيا على الأقل، موسم الهجرة إلى الجنوب؟
وبدأت فعليا بعض الدول الأوربية في طرح برامج لتحفيز المهاجرين على العودة الطوعية إلى بلادهم عبر تقديم مساعدات مالية يستطيع بها العائدون خوض بداية جديدة في بلدانهم الأصلية.
ويرى خبراء أنه مع توسّع مفهوم "الدولة الثالثة الآمنة"، وإنشاء مراكز معالجة لطلبات اللجوء خارج حدود الاتحاد الأوروبي، وتمويل ترتيبات لإبقاء طالبي اللجوء في دول العبور أو الجوار، يبدو أن أوروبا لا توقف الهجرة بقدر ما تعيد توجيهها جغرافيا، فهي لا تُغلق الباب فحسب، بل تنقل غرفة الانتظار إلى الضفة الأخرى من المتوسط أو إلى تخوم البلقان".
ويعرب الخبراء عن اعتقادهم أن "هذا التحول لا يعيد رسم خرائط الحركة البشرية فقط، بل يعيد رسم خرائط المسؤولية الأخلاقية، فإذا كان حق اللجوء هو التزام قانوني لا يُحال إلى الغير، فإن نقله إلى دول ثالثة يطرح سؤالا حول ما إذا كان الالتزام نفسه قد أصبح قابلًا للتفويض".
ويشدد الخبراء على أنه من الصعب فهم هذا التحوّل الأوروبي نحو التشديد من دون ربطه بالصعود الانتخابي المتواصل لليمين المتطرف في أوروبا، وخصوصا في فرنسا وإيطاليا وألمانيا والنمسا، فالأحزاب التقليدية، التي وجدت نفسها عاجزة عن احتواء تداعيات الملف، وتفقد، تدريجيا، قاعدتها الانتخابية، باتت تتبنّى خطاباً وسياسات كانت تُعدّ قبل سنوات من "التابوهات" وحكراً على التيارات المتشدّدة.
ويبين الخبراء بأن الهجرة تحوّلت إلى ورقة استثمار سياسية، تشهر لحشد الناخبين القلقين والغاضبين من السياسات المتساهلة في ملف اللجوء، وبدلا من مواجهة خطاب اليمين المتطرّف بتقديم حلول متوازنة، اختارت الأحزاب التقليدية استعارة خطابات اليمين المتشدد.
ويحذر خبراء من أن هذه السياسة تحمل مخاطر بعيدة المدى، فهي تساهم في تطبيع خطاب الإقصاء، ونبذ ورفض الآخر، وتعيد تعريف القيم الأوروبية على أسس أمنية وانتخابية ضيّقة، تنسف السجل الأوروبي الناصع في هذا المجال.
وليس من المستبعد أن الدول التي ينحدر منها اللاجئون تحدد كيفية التعامل الأوروبي معهم، وهذا ما تجلى خلال عام 2022 حين فعّل الاتحاد الأوروبي "آلية الحماية المؤقتة" لاستقبال ملايين اللاجئين الأوكرانيين، مانحا إياهم إقامة فورية وحقوق عمل وتعليم.
ويلاحظ خبراء أن "هذه الخطوة أثبتت أن الإرادة السياسية قادرة على تسريع الحماية متى توافرت القناعة، لكنها فتحت أيضا باب التساؤل حول اختلاف المعايير إزاء ملف اللجوء".
ويعلق خبراء أن "التباين في الاستجابة يكشف أن سياسات اللجوء ليست تقنية وإدارية خالصة، بل تخضع، أحيانا، لاعتبارات جيوسياسية وثقافية وجغرافية".
ورغم هذا البعد السياسي الواضح الذي يتحكم في إجراءات اللجوء، غير أنه من الصعب إنكار أن الهجرة تفرض الكثير من الأعباء وتحديات تتعلق بالاندماج والضغط على الخدمات العامة، خصوصا تلك الواقعة على خطوط الوصول الأولى كإيطاليا واليونان وإسبانيا، أو الدول ذات أنظمة الرفاه الواسعة مثل ألمانيا والسويد.
ويلاحظ خبراء أن أنظمة الاستقبال والإيواء، والبنية التحتية الإدارية، وخدمات الصحة والتعليم والإسكان، تعرضت خلال السنوات الماضية لضغط متزايد، في ظل بطء إجراءات البت وتراكم الملفات.
ومن هذا المنظور، لا يعد تشديد بعض الإجراءات انصياعا كاملا لخطاب اليمين المتطرف، ولا محاولة للتهرب من استحقاقات القارة في هذا الملف الإنساني، بل محاولة لإعادة ضبط نظام لجوء قديم لم يعد يتناسب مع الأعداد الهائلة التي وفدت إلى القارة في العقد الأخير.
ويخلص خبراء إلى القول إن الإشكالية الحقيقية لا تكمن في الاختيار بين انفتاح فوضوي غير منضبط أمام موجات الهجرة وبين إغلاق كامل، بل في إيجاد معادلة دقيقة تضمن حماية الحق الإنساني من جهة، وتراعي في الوقت ذاته مخاوف الأوربيين واستياءهم من تراجع جودة الخدمات وامتيازات "دولة الرفاه".