بينما تدق عقارب الساعة السياسية معلنةً اقتراب عام 2027، يجد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون نفسه وجهاً لوجه أمام حقيقة يرفض عقله الباطن استيعابها: "الولاية الثانية تقترب من نهايتها".
وخلف تلك الواجهة الرسمية، والتحكم الصارم في مفاصل الدولة، يتسلل قلق عميق يهمس به المقربون؛ حيث لا يرى ماكرون مغادرة الإليزيه مجرد إجراء دستوري، بل هو "بتر" لهوية تشكلت بالكامل داخل أروقة السلطة.
منذ اللحظة التي اقتحم فيها الساحة السياسية، لم يكن ماكرون يمارس الحكم كمهنة، بل كـ"محرك وجودي". وبحسب ما نقلته مجلة "سو بيزي جيرلز" عن دوائره الضيقة، فإن الرجل يعاني عجزاً حقيقياً عن تصور نفسه في "منطقة الظل". بالنسبة له، الحياة السياسية الهامشية هي نوع من النفي، والتقاعد الذهبي ليس مكافأة، بل هو أسوأ كوابيسه.
أكبر ما يؤرق ماكرون ليس فقدان اللقب، بل "سقوط السطوة". هو يخشى تلك اللحظة التي يتحول فيها من "صانع للحدث" إلى مجرد "رئيس سابق" يُستدعى في المناسبات البروتوكولية.
هذا القلق ينبع من رغبة محمومة في السيطرة على "السردية التاريخية"؛ فهو يدرك أن خليفته القادم في 2027 قد يحتاج لأشهر قليلة فقط ليمحو ملامح "الماكرونية" ويعيد رسم المشهد بفرشاة مغايرة تماماً، وهو ما يراه إيمانويل "إعداماً لإرثه".
هذا الخوف من "المحو" يفسر يقظته المفرطة وهوسه بمن سيخلفه. ماكرون لا يراقب المشهد السياسي ليضمن انتقالاً ديمقراطياً فحسب، بل يراقبه بعين "النحات" الذي لا يريد لتمثاله أن ينكسر.
هو لا يريد أن "تفلت الخيوط من بين أصابعه"، ويخشى أن تتعرض حصيلة سنوات من الحكم للتشريح أو النقد اللاذع دون أن يملك حق الرد من فوق سدة الحكم.
تشير المجلة إلى أن ماكرون لا يفكر في الرحيل كـ"نهاية"، بل كـ"مناورة". هو يميل لفكرة "الاستراحة الاستراتيجية". خمس سنوات يقضيها خارج الإليزيه بجسده، لكنه يظل حاضراً بروحه ونفوذه في صلب اللعبة.
الخطة غير المعلنة هي البقاء تحت الأضواء، والحفاظ على صورة "المنقذ المنتظر" الذي قد يعود في 2032 إذا ما تعثر الخلفاء. هذا السيناريو هو الوحيد الذي يمنحه القدرة على التنفس، لأنه يرفض فكرة "النهاية السياسية".
في النهاية، السؤال الذي يؤرق ماكرون ليس فقط "من سيخلفني؟"، بل "كيف سأتمكن من العيش دون أن أكون في قلب السلطة؟" - وهو سؤال لم يجد له إجابة بعد.