في معركة لا تقل ضراوة عن الانتخابات ذاتها، يجد ورثة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أنفسهم أمام معضلة وجودية تتمحور حول سؤال مهم، وهو هل يخونون الرئيس لينجوا سياسيًا، أم يظلون أوفياء ويغرقون معه؟
بين شعبية متذبذبة وقاعدة انتخابية صلبة، يتأرجح المرشحون الثلاثة - إدوار فيليب، وغابرييل أتال، وجيرالد دارمانان - بين استراتيجيات متناقضة قد تحدد مصير فرنسا في 2027.
فمع اقتراب نهاية 2025، وصل ماكرون إلى مستويات غير مسبوقة من عدم الشعبية، تضاهي سلفه فرانسوا أولاند، لكن مواجهته الدبلوماسية مع دونالد ترامب حول غرينلاند أعادت إليه بعض البريق.
في هذه الأثناء، كان إدوار فيليب وغابرييل أتال يحاولان التحرر من ظله، لكنهما اضطرا إلى التراجع ومدح تصرفاته، أما جيرالد دارمانان، فراهن على الوفاء المطلق، تاركًا الشكوك تحوم حول ترشحه في 2027.
"القطيعة أم عدم القطيعة؟" هذا هو السؤال المحوري الذي يؤرق ورثة ماكرون، وفق صحيفة "لوبينيون"، فمن جهة، تدفعهم سنوات الحكم الطويلة والإرهاق السياسي نحو الانفصال الكامل.
يؤكد مستشار في الإدارة التنفيذية: "تاريخيًا، هناك دائمًا تأثير التباين بين الرئيس المنتهية ولايته وخليفته"، لكن من جهة أخرى، توجد قاعدة انتخابية وفية قادرة على ضمان التأهل للجولة الثانية. ويلاحظ خبير استطلاعات: "حتى بعد عشر سنوات، لا يزالون يدعمون ماكرون بقوة، وهؤلاء ناخبون أكثر انتظامًا في التصويت".
يزيد الأمر تعقيدًا التقلب المستمر في شعبية الرئيس. اليوم في القاع، وغدًا في القمة بفضل أزمة جيوسياسية، ويراهن أحد المقربين من ماكرون، قائلًا: "في الحملة الانتخابية، سيخلق التباين بين الرئيس والعرض السياسي تأثيرًا: “هل هذا كل ما لديهم؟”، ما سيولد تسامحًا".
رئيس الوزراء السابق بدأ بقطيعة جريئة. خلال أزمة الموازنة، طالب ماكرون علنًا، عبر إذاعة RTL، بالاستقالة، "وكان يعلم أن هذا سيكون مكلفًا، لكنه أراد إطلاق القطيعة"، يوضح أحد مقربيه.
النتيجة؟ تراجع حاد في استطلاعات الرأي، حيث اضطر لاحقًا إلى التراجع في تجمع انتخابي بمدينة لوهافر، قائلًا: "أحيانًا أعبّر بطريقة وحشية جدًا، ما كان يجب ذلك".
رئيس الوزراء الأصغر سنًا اختار طريقًا أقل وضوحًا، على قناة TF1، عبّر عن استيائه قائلًا: "لم أعد أفهم قرارات الرئيس"، لكنه يدرك ثقل إرثه منذ 2017.
وأضاف: "لن أدّعي أنني لا علاقة لي بما حدث طوال عشر سنوات، لكن هناك مواضيع أحملها بشكل مختلف، خاصة القضايا السيادية التي كانت نقطة عمياء للماكرونية"، مراهِنًا على الاستفادة من النجاحات والاعتراف بالإخفاقات.
وزير العدل الحالي اختار المسار الأكثر جرأة، وهو "الوفاء المطلق"، حيث قال لصحيفة "لوباريزيان" منذ 9 سنوات وأنا وزير أحقق إصلاحات، ولائي للرئيس لا يمكن التشكيك فيه".
ويشهد أحد المقربين بالقول: "جيرالد لم يخن أحدًا قط، لا ساركوزي ولا برتراند ولا حتى فيليب"، لكنه لا يزال يتردد في إعلان ترشحه الرسمي.
وقبيل الانتخابات، ثلاثة رجال بثلاث استراتيجيات، ومصير واحد معلق بشعبية رجل واحد، وبينما يتخبط فيليب وأتال بين الولاء والقطيعة، يراهن دارمانان على الوفاء المطلق، أما ماكرون فيجلس في قصر الإليزيه مراقبًا اللعبة بصمت، مدركًا أن الكلمة الأخيرة ستكون للشعب الفرنسي في 2027.