في تحول دراماتيكي يعيد تشكيل قواعد اللعبة الدولية، يبدو أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد طور نهجًا جديدًا في التعامل مع الخصوم والحلفاء على حد سواء: الإكراه والابتزاز بدلاً من التغيير الكامل للأنظمة.
من التهديدات التجارية ضد حلفاء الناتو التاريخيين مثل كندا والدنمارك، إلى الغزو العسكري لفنزويلا مع الإبقاء على هياكل السلطة القائمة، تكشف سياسات ترامب عن فلسفة براغماتية قاسية: الحصول على ما تريده أمريكا - النفط، المعادن، النفوذ الجيوسياسي - دون تحمل أعباء إعادة البناء الطويلة والمكلفة.
هذا النهج، الذي يمزج بين العقوبات الاقتصادية والتهديدات العسكرية والإذلال العلني، يثير تساؤلات عميقة حول مستقبل التحالفات الأمريكية ومصداقية واشنطن كشريك دولي.
فنزويلا.. نموذج الابتزاز دون تغيير النظام
في 3 يناير 2026، شنت الولايات المتحدة ضربة عسكرية على فنزويلا واعتقلت الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته سيليا فلوريس في عملية حملت اسم "العزم المطلق".
استخدمت القوات الأمريكية قوة عسكرية هائلة - جوًا وبرًا وبحرًا - لتنفيذ ما وصفه ترامب بـ"أحد أكثر العروض المذهلة والفعالة والقوية للقوة العسكرية الأمريكية والثقة في التاريخ الأمريكي".
لكن المفاجأة الكبرى لم تكن في الهجوم نفسه، بل في ما تلاه. بدلاً من تغيير النظام بالكامل وتنصيب حكومة جديدة، أُبقي على الحكومة الفنزويلية في مكانها، مع تولي نائبة الرئيس ديلسي رودريغيز منصب الرئيس بالوكالة في 5 يناير.
ترامب أعلن أن الولايات المتحدة "ستدير البلاد في الأساس" حتى يتم "انتقال آمن ومناسب وحكيم"، لكن دون تفاصيل واضحة عن كيفية هذه الإدارة أو مدتها.
الهدف الحقيقي كان واضحاً: النفط. ترامب وإدارته أوضحا أن الوصول إلى النفط الفنزويلي كان سبباً جوهرياً للعملية، حيث قال ترامب إن الإيرادات المتحققة ستذهب للشعب الفنزويلي، وشركات النفط الأمريكية، و"للولايات المتحدة الأمريكية في شكل تعويض عن الأضرار التي سببتها لنا تلك الدولة".
ترامب وعد بأن شركات النفط الأمريكية الكبرى "ستنفق مليارات الدولارات لإصلاح البنية التحتية النفطية المتهالكة بشدة".
الفلسفة الأساسية.. الإكراه بدلاً من القيادة
في الماضي، كان ترامب يعقد اتفاقيات مع دول تابعة، يقدم ويحصل على فوائد، ويستخدم الإقناع وأحيانًا الإكراه.
لكن ترامب يقترح نهجاً مختلفاً: الوصول إلى الموارد دون تعويض؛ استخدام الإكراه بدلاً من التفاوض مع النخب المحلية (عبر حروب تعريفة وقطع المساعدات)؛ وتهديد بالتدخل العسكري دون احترام القانون الدولي.
وزير الحرب بيت هيغسيث أوضح هذه الفلسفة بصراحة، قائلاً إن التدخل الأمريكي في فنزويلا هو "النقيض تماماً" للغزو الأمريكي للعراق، حيث "أنفقنا عقودًا واشترينا بالدماء ولم نحصل على شيء اقتصاديًا في المقابل، والرئيس ترامب يقلب السيناريو".
الهدف الجديد: "ضمان وصولنا إلى ثروة وموارد إضافية، مما يمكّن الدولة من إطلاق ذلك دون الحاجة لإنفاق دماء أمريكية".
من الحروب التجارية إلى التهديدات العسكرية
في أبريل 2025، كشف ترامب بفخر عن تعريفاته الجمركية التبادلية في "يوم التحرير"، وهي تكتيك يهدف لبشارة عصر جديد من الرخاء الأمريكي وحل الاختلالات التجارية. لكن بعد تسعة أشهر، انتقل الرئيس إلى تكتيك أكثر عدوانية في إخضاع الدول الأجنبية لإرادته: التهديد بالعمل العسكري الأمريكي.
التعريفات الجمركية لترامب تصل إلى زيادة ضريبية متوسطة قدرها 1,100 دولار لكل أسرة أمريكية في 2025 و1,500 دولار في 2026.
لكن التأثير الأعمق كان في تدمير الثقة بين الحلفاء. تهديدات ترامب المتكررة ضد أكبر شريكين تجاريين للولايات المتحدة، كندا والمكسيك، إلى جانب تخيلاته حول جعل كندا الولاية الحادية والخمسين، أثارت اضطراب أسواق الأسهم، وخلقت حالة من الارتباك وعدم اليقين، ودفعت قرارات الاستثمار للتوقف، وولدت عدم ثقة بين حلفاء سابقين.
عقيدة "دونرو".. إحياء عقيدة مونرو
استراتيجية الأمن القومي الأمريكية المُعلنة في 5 ديسمبر الماضي تنص على أن نصف الكرة الغربي يجب أن تسيطر عليه الولايات المتحدة سياسياً واقتصاديًا وتجاريًا وعسكريًا. ترامب أشار عدة مرات إلى عقيدة مونرو لعام 1823.
وقال: "عقيدة مونرو أمر كبير، لكننا تجاوزناها بكثير، بكثير حقاً. يسمونها الآن عقيدة دونرو"، مضيفاً: "الهيمنة الأمريكية في نصف الكرة الغربي لن تُساءل مجددًا أبدًا".
هذا التحول يمثل خطراً كبيراً في أن يُستبدل نقص التماسك بالإكراه الخالص، بل حتى التدخلات العنيفة.
وأصبح التهديد باستخدام القوة، بدلاً من السياسات المتطورة، شائعاً بشكل ملحوظ في السياسة الخارجية والأمنية للإدارة الأمريكية.
الابتزاز الاقتصادي كسلاح رئيسي
إدارة ترامب تخاطر الآن بتكرار خطأ سابق - الخلط بين الإكراه والقيادة، والتعريفات الجمركية والدبلوماسية، والعقاب والإقناع.
ومن خلال تمكين الرئيس الأمريكي من فرض تعريفات جمركية لا تقل عن 500% على الدول التي تستمر في شراء النفط الروسي، فإن واشنطن لا تعاقب موسكو فحسب، بل تعاقب الواقع الاقتصادي للجنوب العالمي، وفق متابعين، فالهند والصين والبرازيل - اقتصادات كبيرة وذات سيادة ولها احتياجات طاقة مشروعة - يُقال لها إن أولوياتها المحلية يجب أن تنحني للجدول الزمني الجيوسياسي لواشنطن، وهذا ليس إدارة تحالفات، إنه ابتزاز اقتصادي.
استراتيجية "عدم القدرة على التنبؤ"
ماثيو كلاري، محاضر العلوم السياسية في جامعة أوبورن الذي يدرس سياسة الأمن القومي، أكد أن استراتيجية ترامب غير القابلة للتنبؤ تخاطر بتفتيت التحالفات طويلة الأمد التي تربط الولايات المتحدة بشركاء أجانب.
وأضاف: "استراتيجيته هي أن يكون غير قابل للتنبؤ. إنه مقامر، لذا لا أحد يعرف ما الذي سيفعله بعد ذلك. أقول إن هذا يعمل بشكل جيد في بيئة الأعمال، لكن ليس كذلك في العلاقات الدولية."
نظام عالمي جديد قائم على الإكراه
فلسفة ترامب في إدارة الخصوم والحلفاء تمثل قطيعة جذرية مع عقود من السياسة الخارجية الأمريكية، فبدلاً من بناء تحالفات قائمة على القيم والمصالح المشتركة، يعتمد ترامب على الابتزاز الاقتصادي والتهديدات العسكرية والإذلال العلني لتحقيق أهدافه.
في فنزويلا، نرى نموذجاً للتدخل العسكري دون تحمل مسؤولية إعادة البناء، مجرد الاستيلاء على الموارد وترك النظام القديم يدير الأمور تحت الإشراف الأمريكي. ومع الحلفاء الأوروبيين وكندا واليابان، نرى استخدام التعريفات الجمركية والتهديدات بقطع الدعم العسكري كوسيلة للحصول على تنازلات اقتصادية وسياسية.
هذا النهج، رغم أنه قد يحقق مكاسب قصيرة الأمد، فإنه يخاطر بتدمير الثقة التي بُنيت عليها التحالفات الأمريكية لعقود، ويدفع الحلفاء للبحث عن بدائل، سواء في أوروبا أو في علاقات أقرب مع الصين.