مع كل تصعيد عسكري بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، تتجه الأنظار عادة إلى عدد الصواريخ والطائرات والضربات الجوية.
غير أن خبراء عسكريين واقتصاديين يرون أن قراءة الحرب الحديثة لا تكتمل دون النظر إلى زاوية أخرى لا تقل أهمية: اقتصاد الحرب.
فالتفوق العسكري لا يُقاس فقط بقدرة الجيوش على إطلاق الصواريخ أو تنفيذ الغارات، بل أيضاً بقدرتها على تحمّل الكلفة المالية واللوجستية للعمليات لفترة طويلة دون استنزاف مخزون الذخائر أو الموارد الاقتصادية.
وفي هذا السياق، يتحدث بعض الباحثين عن مفهوم بات يتكرر في التحليلات العسكرية المعاصرة هو "اقتصاد الصواريخ"، أي العلاقة بين تكلفة الهجوم وتكلفة الدفاع، ومدى قدرة كل طرف على مواصلة القتال في ظل الاستنزاف المالي والصناعي الذي تفرضه الحروب عالية الكثافة.
وتشير دراسات صادرة عن مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) إلى أن أحد التحديات الأساسية في أي مواجهة مع إيران يتمثل في الكلفة المرتفعة للصواريخ الاعتراضية مقارنة بكلفة بعض الصواريخ أو الطائرات المسيّرة المهاجمة.
فعلى سبيل المثال، تبلغ تكلفة الصاروخ الاعتراضي من منظومة باتريوت PAC-3 نحو 4 ملايين دولار للصاروخ الواحد، بينما تصل تكلفة صاروخ منظومة ثاد (THAAD) المضاد للصواريخ الباليستية إلى نحو 12.7 مليون دولار. أما في إسرائيل، فتُعد منظومة القبة الحديدية الأقل تكلفة نسبياً، حيث تتراوح تكلفة الصاروخ الاعتراضي "تامير" بين 40 و50 ألف دولار.
هذه الفوارق في الكلفة تطرح سؤالاً أساسياً حول قدرة الدفاع الجوي على الصمود في حرب طويلة، خصوصاً إذا اعتمد الخصم تكتيك "الإغراق الصاروخي" عبر إطلاق أعداد كبيرة من الصواريخ في وقت واحد.
غير أن الباحث السوري محمد صالح الفتيح يرى أن مسألة تكلفة اعتراض الصواريخ ليست تطوراً جديداً في الحرب الحالية، بل موضوع نوقش في الدراسات العسكرية منذ أكثر من عقد.
ويشير إلى أن التجارب السابقة، ولا سيما حرب لبنان، أظهرت أن الضربات الاستباقية لمواقع إطلاق الصواريخ غالباً ما تكون أكثر فعالية وأقل تكلفة من الاعتماد الكامل على الدفاعات الجوية.
ويضيف أن ما نشهده في الحرب الحالية يعكس هذا النهج. فخلال الأيام الخمسة الأولى من الحرب استخدم القسم الأكبر من الأسطول الجوي المتاح للولايات المتحدة وإسرائيل - والذي يضم أكثر من 500 طائرة مقاتلة - لاستهداف القدرات الصاروخية الإيرانية.
ويقول إن نتيجة ذلك كانت انخفاضاً واضحاً في معدل إطلاق الصواريخ، حيث تراجع العدد من نحو 350 صاروخاً في اليوم الأول للحرب إلى حوالي 50 صاروخاً في اليوم الرابع، ثم أقل من ذلك في الأيام اللاحقة.
ولا تقتصر الكلفة المرتفعة على الدفاع الجوي فقط، بل تشمل أيضاً الأسلحة الهجومية المستخدمة في الضربات الدقيقة.
فالصواريخ المجنحة بعيدة المدى مثل توماهوك، التي تستخدمها الولايات المتحدة في الضربات الدقيقة، تقدر كلفتها بنحو 2.2 مليون دولار للصاروخ الواحد. كما تعتمد العمليات الجوية الحديثة على ذخائر دقيقة التوجيه مثل JDAM، التي تتراوح تكلفة أنظمة التوجيه الخاصة بها بين 25 ألفاً و84 ألف دولار.
هذه الأرقام تعني أن أي حملة جوية واسعة يمكن أن تتحول سريعاً إلى استنزاف مالي ضخم إذا استمرت لفترة طويلة، خاصة مع ارتفاع وتيرة الطلعات الجوية اليومية.
إلى جانب الذخائر، تتحمل الجيوش كلفة كبيرة لتشغيل الطائرات والسفن الحربية.
فالمقاتلات المتقدمة مثل F-35 تبلغ تكلفة تشغيلها نحو 44 ألف دولار للساعة الواحدة وفق تقديرات عسكرية أمريكية.
وهذا يعني أن تنفيذ عشرات الطلعات الجوية يومياً قد يرفع الكلفة التشغيلية إلى ملايين الدولارات يومياً قبل احتساب ثمن الذخائر.
كما تتحمل الولايات المتحدة كلفة ضخمة للحفاظ على وجودها العسكري البحري في المنطقة. وتشير تقديرات مشروع تكاليف الحرب في جامعة براون الأمريكية إلى أن تشغيل مجموعة حاملة طائرات قد يكلف ما بين 8 و9 ملايين دولار يومياً عند احتساب الوقود والصيانة والرواتب والدعم اللوجستي.
رغم الحديث المتكرر في وسائل الإعلام عن احتمال نقص الصواريخ الاعتراضية، يرى الفتيح أن المؤشرات الميدانية لا تدل حتى الآن على حدوث انخفاض حاد في هذه المخزونات.
ويشير إلى أن أحد أهم الأدلة على ذلك هو أن الولايات المتحدة لم تضطر حتى الآن إلى نقل أنظمة دفاع جوي إضافية من مناطق أخرى أو إشراك المدمرات الأمريكية من طراز "Arleigh Burke"، التي تحمل كل واحدة منها عشرات الصواريخ الاعتراضية، بشكل واسع في عمليات الدفاع الجوي.
ويضيف أن الحرب الحالية تأتي بعد أربع سنوات من الحرب الروسية الأوكرانية التي دفعت شركات السلاح حول العالم إلى زيادة إنتاج الذخائر بشكل كبير، كما أن الحرب المستمرة في الشرق الأوسط منذ عام 2023 دفعت الشركات الدفاعية في الولايات المتحدة وإسرائيل إلى رفع معدلات التصنيع.
ويرى أن انخفاض المخزون قد يحدث بالفعل في حال استمرار العمليات الجوية المكثفة، لكن ذلك قد يستغرق أشهراً عدة وليس أسابيع.
ويشير أيضاً إلى أن الحديث المتكرر في الإعلام عن نقص الذخائر قد يكون في بعض الأحيان جزءاً من الضغط الذي تمارسه شركات السلاح للحصول على عقود إضافية، مستشهداً بما حدث في بداية الحرب الأوكرانية عندما تحدثت تقارير عديدة عن قرب نفاد قذائف المدفعية الغربية قبل أن تتضاعف معدلات الإنتاج لاحقاً.
من جهته، يرى الخبير العسكري العميد أحمد رحال أن النقاش حول قدرة الولايات المتحدة وإسرائيل على تحمّل كلفة الحرب قد يكون مضللاً، لأن ميزان القدرات بين الطرفين غير متكافئ أساساً.
ويقول رحال لـ"إرم نيوز"، إن الولايات المتحدة تمتلك ما يمكن تسميته "مخزون المئة يوم" من الذخائر الاستراتيجية على الأقل، إضافة إلى إمكانية الاستفادة من مخزونات حلف شمال الأطلسي ومن القدرة الصناعية الهائلة للمصانع العسكرية الأمريكية.
في المقابل، يرى أن إيران تمتلك مخزوناً محدوداً نسبياً من الصواريخ والطائرات المسيّرة، يقدّر بنحو 2000 إلى 2500 صاروخ إضافة إلى حوالي 10 آلاف طائرة مسيّرة، مع قدرة محدودة على تعويض هذه الخسائر خلال الحرب بسبب القيود الصناعية والاقتصادية.
ويضيف أن الولايات المتحدة تمتلك أيضاً القدرة على إعادة تزويد قواتها بالذخائر أثناء الحرب، وهو عامل لا يتوافر بالدرجة نفسها لدى إيران.
في ضوء هذه المعطيات، يرى خبراء أن الحروب الحديثة لم تعد تُحسم فقط في ميادين القتال، بل أيضاً في المصانع وخطوط الإنتاج العسكرية. فقدرة الدول على إنتاج الصواريخ والذخائر بسرعة أصبحت عاملاً حاسماً في الحروب طويلة الأمد.
ويشير العميد رحال إلى أن أي قائد سياسي يفكر في خوض الحرب يأخذ في الاعتبار أربعة عوامل أساسية: اقتصاد الحرب، والقدرة العسكرية على توفير السلاح، وتماسك الجبهة الداخلية، والغطاء السياسي الدولي.
وفي حالة الولايات المتحدة، يرى أن القدرة الاقتصادية والعسكرية الهائلة تجعل من الصعب تصور توقف الحرب بسبب كلفتها المالية فقط.
وبينما يستمر التصعيد العسكري في المنطقة، يبقى السؤال الأهم ليس فقط من يملك القوة العسكرية الأكبر اليوم، بل من يمتلك القدرة الاقتصادية والصناعية للاستمرار في القتال لفترة أطول. ففي حروب القرن الحادي والعشرين، قد لا يكون النصر في النهاية لمن يطلق الصاروخ الأول، بل لمن يستطيع إنتاج الصاروخ التالي.