في سياق الاتصالات الرسمية بين كوريا الشمالية وإيران، برزت رسالة دبلوماسية مكتوبة حملت طابعًا رسميًا ووصلت عبر السفارة الإيرانية في بكين، باعتبارها القناة المعتمدة للتواصل بين البلدين.

الرسالة جاءت موجهة إلى المرشد الأعلى الإيراني مجتبى خامنئي، وموقعة باسم لجنة الشؤون الدولية برئاسة كيم جونغ أون، بعد أيام من الحصار البحري الأمريكي وفق ما أكدته وكالة الأنباء الكورية المركزية (KCNA)، والتي نشرت جزءًا من نص الرسالة.
وتضمنت العبارة التالية: "جمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية تقف إلى جانب الجمهورية الإسلامية الإيرانية في مواجهتها البطولية ضد الإمبريالية الأمريكية المتوحشة.. نحن معكم في كل خطوة، ومستعدون لتقديم جميع أشكال الدعم الممكنة".
ووفقًا للمراقبين، تشير هذه الرسالة إلى استعداد بيونغ يانغ لتوسيع أشكال التعاون، بما يشمل مجالات فنية ودفاعية، مع الإشارة إلى "تبادل خبرات" و"تقديم معدات دفاعية متطورة".
في السياق ذاته، نقلت تقارير إعلامية عن مصادر استخباراتية غربية كشفتها "واشنطن بوست"، أن نوعية المعدات الدفاعية المحتملة قد تشمل أنظمة صاروخية متطورة، من بينها نماذج مرتبطة بسلسلة "هواسونغ" أو "كي إن"، وهي أنظمة أعلنت كوريا الشمالية عنها في تجارب عسكرية سابقة.
ووصف متحدث باسم وزارة الحرب الأمريكية "البنتاغون" الرسالة بأنها "تصعيد خطير"، مع الإعلان عن رفع حالة التأهب في القواعد العسكرية الأمريكية المنتشرة في منطقة الخليج.
وفي المقابل، نقلت وسائل إعلام عن دبلوماسي صيني أن الصين لا تعارض أي تعاون دفاعي ثنائي بين دولتين، دون إصدار موقف رسمي مباشر.
وصرّحت وزيرة الخارجية في ألمانيا أنالينا بيربوك بأن هذه التطورات تمثل دليلاً إضافياً على تشكل واقع جيوسياسي جديد يضم: روسيا، وإيران، وكوريا الشمالية، وفق ما نقلته تصريحات رسمية.
ويبدو أن رسالة كوريا الشمالية إلى إيران قد تفتح مسارًا جديدًا في العلاقات المعلنة بين البلدين، وتطرح تساؤلات حول طبيعة الخطوات التالية.
في البداية، أكد المحلل السياسي والخبير في الشؤون الروسية د. محمود الأفندي، أن "الرسالة التي وجهتها كوريا الشمالية إلى إيران تعكس إطارًا قائمًا من التعاون والتنسيق بين الجانبين".
وكشف الأفندي في تصريحات لـ"إرم نيوز"، أن "هذا التعاون يمتد إلى أبعاد سياسية وعسكرية، لكنه لم يصل حتى الآن إلى مستوى التفعيل الميداني المباشر".
وأضاف أن إيران ضمن شبكة علاقاتها الدولية ترتبط أيضًا بتفاهمات مع قوى كبرى مثل الصين وروسيا، وهو ما يعزز موقعها في معادلات التوازن الإقليمي والدولي.
وأشار المحلل السياسي إلى أن نماذج التعاون العسكري بين الدول الحليفة ليست جديدة، مستشهدًا بمؤشرات سابقة على تعاون بين موسكو وبيونغ يانغ، من بينها مشاركة قوات كورية شمالية في القتال داخل الأراضي الروسية، وتحديدًا في منطقة كورسك.
ولفت إلى أن إيران تسعى إلى تعزيز موقعها ضمن إطار القانون الدولي والاتفاقيات المعترف بها، مؤكدًا أنها لا تتحرك خارج هذه الأطر، وأن تصريحاتها، وكذلك تصريحات كوريا الشمالية، عادة ما تكون منسجمة مع التزامات قانونية قائمة.
وتابع: "أي تعاون عسكري محتمل يأتي غالبًا في سياق دعم متبادل في حالات التصعيد، خاصة عند وجود تهديد مباشر"، مشيرًا إلى أن الرسائل الأخيرة من بيونغ يانغ تحمل طابع ردعٍ واضحاً في ظل التوترات المتصاعدة.
وأوضح د. محمود الأفندي، أن هذه التطورات تأتي ضمن تحولات جيوسياسية أوسع برزت بعد الحرب في أوكرانيا؛ إذ تشكلت أنماط جديدة من التحالفات غير المعلنة تضم: روسيا، والصين، وكوريا الشمالية، وإيران، وهو ما يمثل توازنًا في مواجهة التحالفات الغربية.
وأكد خبير الشؤون الروسية، أن أي دعم كوري شمالي لإيران سيبقى في الأغلب سياسيًا، مع احتمال محدود للدعم العسكري المباشر، إلَّا في سيناريوهات قصوى.
ومن جانبه، أكد الأستاذ بكلية الاستشراق بالمدرسة العليا للاقتصاد بموسكو رامي القليوبي، أن الموقف الكوري الشمالي في دعم إيران لا يُعد تطوراً مفاجئاً بل يأتي في سياق انتماء بيونغ يانغ إلى معسكر معادٍ للغرب؛ إذ تميل إلى دعم أي طرف يدخل في مواجهة مع القوى الغربية.
وأشار في تصريح لـ"إرم نيوز"، إلى أن هذا النمط من الدعم ظهر في تجارب سابقة، من بينها إرسال عناصر كورية شمالية للمشاركة في القتال دعمًا لروسيا في إحدى المناطق الحدودية، وهو ما يعكس استعداد بيونغ يانغ لتقديم أشكال مختلفة من الدعم لحلفائها.

وأضاف أن "الحالة الإيرانية قد تشهد سيناريو مشابهًا مع الإشارة إلى احتمال توريد صواريخ كورية شمالية، مشددًا على أن هذا الاحتمال يبقى مرهونًا بإغلاق كافة مسارات التفاوض بين إيرانوالغرب، بحيث يصبح التصعيد الخيار الوحيد المطروح.
ولفت القليوبي إلى أن حصول إيران على مثل هذه الصواريخ سيُستخدم كذريعة إضافية من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل لتبرير أي هجوم محتمل على طهران، وأن هذا الأمر يزيد من تعقيد المشهد الإقليمي.
وأشار إلى أن "القيادة الإيرانية في المرحلة الحالية تميل إلى المسار الدبلوماسي أكثر من التصعيد العسكري"، معتبرًا أن هذا التوجُّه يعكس حرصًا واضحًا على احتواء التوترات، وتجنب الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة، خاصة في ظل حساسية التوازنات الدولية الراهنة.