logo
العالم

استعراض قوة في بيونغ يانغ.. ما رسائل كوريا الشمالية بخصوص إيران؟

كوريا الشمالية تُجري تجارب صاروخيةالمصدر: (أ ف ب)

بينما تتجه الأنظار إلى الحرب في إيران، أجرت كوريا الشمالية سلسلة تجارب صاروخية شملت إطلاق صواريخ بالستية واختبار نظام إطلاق صواريخ متعددة متطور.

الاختبارات الكورية الشمالية جاءت بعد أيام من بدء المناورات العسكرية المشتركة بين الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية، لكن ظهور هذه الاستعراضات العسكرية في لحظة تشهد فيها منطقة غرب آسيا حربًا مفتوحة على إيران يمنح هذه الخطوة بعدًا سياسيًا يتجاوز سياق التوتر التقليدي في شرق آسيا.

رسائل صاروخية من بيونغ يانغ

في هذا السياق، أعلنت هيئة الأركان المشتركة في كوريا الجنوبية أنها رصدت يوم السبت إطلاق نحو عشرة صواريخ بالستية من كوريا الشمالية باتجاه البحر الشرقي (بحر اليابان).

وأوضحت أن الصواريخ انطلقت من منطقة سونان في بيونغ يانغ وقطعت مسافة تقارب 350 كيلومترًا قبل سقوطها في المياه دون تسجيل أضرار.

وتعد هذه العملية، بحسب تقديرات عسكرية في سيول، أكبر وابل صاروخي تطلقه كوريا الشمالية منذ نحو عامين.

وفي اليوم التالي لعمليات الإطلاق، أعلنت وسائل الإعلام في كوريا الشمالية أن الزعيم كيم جونغ أون أشرف على تجربة نظام إطلاق صواريخ متعددة من عيار 600 ملم، شملت إطلاق 12 منصة صاروخية خلال تدريب مدفعي، كما وصفت بيونغ يانغ هذا النظام بأنه قادر على تنفيذ ضربات عالية الدقة ضمن نطاق يصل إلى نحو 420 كيلومترًا. 

ويُعرف هذا السلاح خارج كوريا الشمالية باسم KN-25، وهو منظومة تقع تقنيًا بين منصات الصواريخ متعددة الإطلاق والصواريخ الباليستية قصيرة المدى.

وتزامنت هذه التجارب مع المناورات العسكرية السنوية المشتركة بين الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية المعروفة باسم "درع الحرية"، والتي بدأت في التاسع من آذار الحالي وتستمر حتى التاسع عشر من الشهر نفسه.

في المقابل تنظر بيونغ يانغ إلى هذه المناورات باعتبارها تدريبًا على هجوم محتمل عليها.

أخبار ذات علاقة

زعيم كوريا الشمالية يتفقد عملية إنتاج الصواريخ

كوريا الشمالية تختبر صواريخ قادرة على حمل رؤوس نووية

وخلال الأيام السابقة، وصفت شقيقة الزعيم الكوري الشمالي كيم يو جونغ التدريبات بأنها "استفزاز عسكري" من شأنه تهديد الاستقرار في المنطقة.

وفي حالة كوريا الشمالية، لطالما ارتبطت التجارب الصاروخية بهذا النمط من إدارة الرسائل، حيث تأتي عمليات الإطلاق غالبًا في توقيتات سياسية حساسة، سواء بالتزامن مع تدريبات عسكرية أمريكية–كورية جنوبية أو مع تطورات دولية كبرى.

الحرب في إيران كخلفية استراتيجية

من الناحية التقنية، لا تُمثل التجربة الكورية الشمالية الأخيرة تطورًا مفاجئًا في البرنامج الصاروخي الكوري الشمالي، الذي شهد خلال السنوات الماضية سلسلة متواصلة من التجارب، غير أن أهميته السياسية تكمن في توقيته.

فاندلاع حرب واسعة مرتبطة بإيران يضع مسألة الردع الصاروخي والنووي في قلب النقاش الإستراتيجي الدولي، وهو نقاش تراقبه بيونغ يانغ من كثب كاختبار عملي لكيفية تعامل القوى الكبرى مع الدول التي تبني أمنها القومي على قدرات ردع غير تقليدية.

وتُتابع بيونغ يانغ تطورات الحرب المرتبطة بإيران ضمن قراءة إستراتيجية تتجاوز حدود الشرق الأوسط. فالصراع الجاري يقدّم في نظر العديد من الدوائر الأمنية اختبارًا واقعيًا لقيمة الردع الصاروخي والنووي في منع الضغوط العسكرية الخارجية.

ومن هذا المنظور، تمثل الحرب بالنسبة لكوريا الشمالية مختبرًا إستراتيجيًا غير مباشر يمكن من خلاله تقييم حدود القوة العسكرية للقوى الكبرى، وكذلك مدى قدرة الدول التي تمتلك برامج ردع مثيرة للجدل على تجنب سيناريوهات المواجهة المباشرة.

وتبدو التجارب الصاروخية الكورية الشمالية الأخيرة جزءًا من رسالة مستمرة تؤكد أن امتلاك قدرات ردع متقدمة يظل في حسابات كوريا الشمالية، الضمان الأساسي لتفادي الضغوط العسكرية الخارجية.

في حين يلفت حضور مصطلح "الأسلحة النووية التكتيكية" في الخطاب الرسمي الكوري الشمالي خلال التجربة الأخيرة الانتباه إلى البعد السياسي لهذه الاستعراضات العسكرية، إلى جانب بعدها التقني، فالإشارة إلى هذا النوع من القدرات تندرج ضمن تأكيد متكرر على مكانة الردع النووي في الاستراتيجية الأمنية لبيونغ يانغ.

أخبار ذات علاقة

الترسانة العسكرية لكوريا الشمالية

وسط تصعيد متزايد.. تجارب كورية شمالية باستخدام قاذفات صواريخ متعددة

العقيدة الأمنية لكوريا الشمالية

تعتمد كوريا الشمالية منذ عقود على نموذج خاص في التفكير الأمني يمكن وصفه في بعض الأدبيات الإستراتيجية بـ "ردع الدول المعزولة".

يقوم هذا النموذج على افتراض أن الدولة التي تواجه عزلة سياسية واقتصادية واسعة تحتاج إلى أدوات ردع غير تقليدية لتعويض محدودية قوتها الاقتصادية والعسكرية التقليدية.

وضمن هذا المسار يصبح البرنامج الصاروخي والنووي جزءًا من إستراتيجية تهدف إلى رفع كلفة أي مواجهة محتملة مع القوى الكبرى.

ولذلك تنظر بيونغ يانغ إلى تطوير قدراتها الصاروخية كأداة توازن تسمح لها بالحفاظ على هامش من الاستقلال السياسي في مواجهة الضغوط الدولية.

تطوّر البرنامج النووي والصاروخي الكوري الشمالي منذ تسعينيات القرن الماضي كجزء من إستراتيجية أمنية تقوم على ما تسميه بيونغ يانغ "الردع الاستراتيجي"، وهي مقاربة اعتمدتها الدولة في مواجهة ما تعتبره ضغوطًا عسكرية وسياسية خارجية.

وقد تسارع البرنامج النووي الكوري الشمالي بعد انسحاب بيونغ يانغ من معاهدة حظر الانتشار النووي عام 2003، ثم إجراء أول تجربة نووية عام 2006، قبل أن تبلغ قدراتها الصاروخية مرحلة جديدة عام 2017 مع اختبار صواريخ عابرة للقارات قادرة نظريًا على بلوغ الأراضي الأمريكية.

ورغم محاولة خفض التوتر عبر قمم عقدت بين كيم جونغ أون والرئيس الأمريكي دونالد ترامب في 2018 و2019، فإن المفاوضات انهارت لاحقًا دون اتفاق.

وفي أيلول 2022 أعلنت كوريا الشمالية قانونًا يرسخ وضعها كدولة نووية ويجيز استخدام الأسلحة النووية استباقيًا في حال تعرض النظام لتهديد وجودي، وهو ما اعتُبر خطوة تعكس تثبيت العقيدة النووية ضمن الإطار القانوني للدولة. 

أخبار ذات علاقة

زعيم كوريا الشمالية كيم جونغ أون

كوريا الشمالية تندد بالهجمات الأمريكية الإسرائيلية على إيران

انعكاسات على توازن القوة

يبقى السياق الإقليمي المباشر حاضرًا؛ إذ جاءت التجربة الصاروخية بعد أيام من بدء التدريبات العسكرية المشتركة بين الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية، وهي تدريبات تنظر إليها بيونغ يانغ تقليديًا باعتبارها تهديدًا أمنيًا.

لذلك، تمثل الاختبارات الصاروخية في كثير من الأحيان جزءًا من معادلة الردع المتبادل في شبه الجزيرة الكورية، حيث تقابل كل جولة من المناورات العسكرية باستعراض قوة من جانب الشمال.

وفي هذا السياق، لا تقتصر دلالات الاختبارات الصاروخية الكورية الشمالية على معادلة الردع في شبه الجزيرة الكورية، فظهورها في لحظة تشهد حربًا مفتوحة على إيران يعكس أيضًا محاولة من بيونغ يانغ لإعادة لفت الانتباه إلى ملفها الأمني في لحظة ينشغل فيها النظام الدولي بأزمات أخرى.

logo
تابعونا على
جميع الحقوق محفوظة © 2026 شركة إرم ميديا - Erem Media FZ LLC