كشف تزايد وتيرة الزيارات الأوروبية إلى بكين في الأشهر الأخيرة تحوّلًا ملحوظًا في طبيعة العلاقات بين الجانبين، إذ لم تعد هذه العلاقة تُدار وفق منطق التحالفات التقليدية، بل وفق نمط جديد يقوم على التعاون الانتقائي المرتبط بالمصالح المشتركة.
وبحسب "فورين بوليسي"، فإن هذا التحول يعكس إدراكًا أوروبيًا متناميًا بأن العالم لم يعد منقسمًا إلى معسكرات متقابلة، بل يتجه نحو نظام دولي أكثر سيولة، تُبنى فيه الشراكات وفق القضايا والملفات وليس وفق الاصطفافات الأيديولوجية الثابتة.
ويرى خبراء أن هذه المقاربة تأتي في سياق تراجع قدرة النظام الدولي الذي تشكّل بعد الحرب الباردة على الحفاظ على تماسكه، وهو ما دفع دول الاتحاد الأوروبي إلى إعادة تقييم موقعها داخل النظام العالمي.
ومع تراجع دور الولايات المتحدة كضامن رئيسي للنظام متعدد الأطراف، بدأت أوروبا تتحرك لترجمة مفهوم الاستقلال الاستراتيجي إلى سياسات عملية، عبر توسيع قنوات التعاون مع الصين دون التخلي عن علاقاتها الأمنية التقليدية مع واشنطن.
ويبرز هذا التحول في ملفات متعددة، أبرزها التجارة وسلاسل التوريد والطاقة النظيفة، إذ أصبحت أوروبا أكثر استعدادًا للتعامل مع القدرات الصناعية الصينية، خاصة في مجالات الطاقة المتجددة والبنية التحتية المرتبطة بالتحول البيئي.
وفي المقابل، تحافظ بروكسل على مواقفها الحذرة تجاه قضايا الوصول إلى الأسواق والسياسات الصناعية، ما يعكس سعيها إلى تحقيق توازن بين التعاون الاقتصادي والحفاظ على مصالحها الاستراتيجية.
كما يظهر التقارب الأوروبي-الصيني في التوافق على دعم النظام الدولي القائم على القواعد والمؤسسات متعددة الأطراف، بما في ذلك الدعوات إلى إصلاح منظمة التجارة العالمية واستعادة دورها في تسوية النزاعات التجارية.
غير أن هذا التقارب لا يعني نشوء تحالف استراتيجي بين الطرفين، بل يعكس نمطًا من العلاقات المرنة التي تسمح لكل طرف بالحفاظ على خلافاته السياسية والاقتصادية مع الطرف الآخر.
ويعكس هذا المسار تحوّلًا أوسع في بنية العلاقات الدولية، إذ لم تعد الدول مطالبة باختيار تحالفات دائمة، بل باتت تميل إلى بناء شراكات متعددة تسمح لها بالتحرك بين القوى الكبرى وفق أولوياتها الوطنية، وهو ما يجعل التقارب الأوروبي مع الصين نموذجًا لنمط جديد من التفاعلات الدولية يقوم على البراغماتية والانتقائية بدل الاصطفاف الأيديولوجي التقليدي.