logo
العالم

مع تغيّر الأولويات.. الاتحاد الأوروبي يرثي عصر الحماية الأمريكية

جنود أمريكيونالمصدر: رويترز

باتت تصريحات كايا كالاس، مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، من أوائل التصريحات الأوروبية الرسمية التي تُقال بهذا القدر من الوضوح والمباشرة، والتي ترثي فيها، عمليًا، عصر الحماية الأمريكية لأوروبا، وتراجع مركزية القارة العجوز في حسابات واشنطن.

وقالت كالاس إن "أوروبا لم تعد مركز الثقل الرئيس لواشنطن"، وإن هذا التحول "هيكلي وليس مؤقتًا"، في وقت يسعى فيه القادة الأوروبيون إلى التكيف مع سياسات إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، التي باتت تشكك في ثوابت "التحالف عبر الأطلسي".

وأضافت، خلال المؤتمر السنوي لوكالة الدفاع الأوروبية في بروكسل، أن الاتحاد الأوروبي لا يزال يسعى إلى تعزيز العلاقات عبر الأطلسي وبقاء الولايات المتحدة حليفًا، غير أن على أوروبا، في الوقت نفسه، التكيف مع الواقع الجديد.

أخبار ذات علاقة

علما الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي

المجر: الاتحاد الأوروبي يعتبر الولايات المتحدة تهديداً لوحدته

وذكرت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي أن "حلف شمال الأطلسي بحاجة إلى أن يصبح أكثر أوروبية للحفاظ على قوته".

أزمة ثقة

ويرى خبراء أن هذه التصريحات تمثل اعترافًا صريحًا ونادرًا بوجود أزمة ثقة تعصف بالتحالف الأمريكي–الأوروبي، وأن إحدى ركائز الأمن الأوروبي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية باتت موضع تساؤل.

ورغم صدور إشارات مماثلة عن زعماء أوروبيين بشأن تراجع الاهتمام الأمريكي بالقارة العجوز، وضرورة أن تتحمل أوروبا مسؤولية أمنها، خاصة منذ اندلاع الحرب الأوكرانية، وتزايد الهواجس الأمنية، فإن تلك المواقف ظلت في الغالب مواربة، ومصاغة بلغة دبلوماسية حذرة خشية إغضاب واشنطن.

من هنا، فإن الجديد في تصريحات كالاس يتمثل في أنها تكسر هذا النمط التقليدي في الخطاب، وتُسمّي الأشياء بمسمياتها، إذ أوضحت أن هذا التحول "هيكلي وليس مؤقتًا"، في إشارة إلى أن المسألة لا تقتصر على "مزاجية" ترامب، بل تعبّر عن سياسة أمريكية ممنهجة ذات بعد إستراتيجي.

ويضيف الخبراء أن هذه التصريحات تُعدّ تلخيصًا لمسار سياسي أمريكي طويل كانت أوروبا تتجنب الاعتراف به، إذ رأت في "الحماية الأمريكية" خيارًا بديهيًا ومسلّمًا به.

من ضرورة إلى عبء

وخرجت أوروبا من الحرب العالمية الثانية مدمَّرة اقتصاديًا، ومنقسمة سياسيًا، ومنهكة عسكريًا، على عكس الولايات المتحدة التي بدت متفوقة على مختلف الصعد، وهو ما أتاح لها حماية القارة ضمن صفقة هدفت إلى منع تمدد الاتحاد السوفيتي السابق، وربط أوروبا الغربية بالنظام الليبرالي الأمريكي، وفق مشروع مارشال.

وتُوّج هذا المشروع، الذي أُطلق بغرض إعادة إعمار أوروبا، بتأسيس حلف شمال الأطلسي (الناتو) العام 1949، في مواجهة الحلف الشرقي المقابل «وارسو»، قبل أن ينهار الأخير مطلع تسعينيات القرن الماضي.

في ضوء ذلك، أصبحت المظلة الأمريكية — النووية والعسكرية والاستخباراتية — حجر الزاوية في أمن أوروبا، التي ركزت على الاقتصاد والنهوض من تحت ركام الحرب، فيما تولت واشنطن مهمة "الردع العسكري"، وهي معادلة نجحت طوال عقود الحرب الباردة: الأمن لأوروبا والقيادة لأمريكا.

ومع انهيار الاتحاد السوفيتي والتغيرات الدراماتيكية في دول الكتلة الشرقية، دخلت أوروبا مرحلة يصفها الخبراء بـ"الاطمئنان المفرط"، إذ بدت احتمالات نشوب حروب كبرى ضئيلة، ما دفعها إلى خفض إنفاقها الدفاعي، وإهمال بناء قدرات عسكرية مستقلة، والانكفاء على بناء "دولة الرفاه"، على افتراض أن واشنطن ستظل "الحارس الأمين".

لكن الأولويات تغيّرت مع مرور الزمن، فمنذ أكثر من عقد بدأت واشنطن تراجع سياساتها تجاه أوروبا، إذ أعلنت إدارة باراك أوباما "التحول نحو آسيا"، معتبرة أن الصين هي المنافس الإستراتيجي الأول، فيما اختارت إدارة جو بايدن، رغم خطابها الداعم للتحالفات، تركيز الموارد العسكرية والسياسية على منطقتي المحيطين الهندي والهادئ.

وبرز هذا التحول بوضوح أكبر مع سياسات ترامب، الذي اشتكى من حماية قارة غنية لا ترغب في الدفاع عن نفسها، وشكك، مرارًا، في جدوى التحالف عبر الأطلسي، الذي بات، في نظره، عبئًا على واشنطن أكثر منه امتيازًا.

وتختزل التحليلات السياسية فلسفة ترامب في كونه رجل "صفقات" لا "تحالفات".

أخبار ذات علاقة

علم الاتحاد الأوروبي والأمريكي

الاتحاد الأوروبي يدرس تعليق حزمة إجراءات تجارية "انتقامية" ضد واشنطن

أوكرانيا.. لحظة الكشف

ورغم أن تراجع الاهتمام الأمريكي بأوروبا سلك مسارًا تدريجيًا ومدروسًا، فإن الحرب الأوكرانية بدت بمثابة لحظة كاشفة، إذ عرّت حدود القدرة الأوروبية على الفعل من دون القيادة الأمريكية.

ورغم أن الاتحاد الأوروبي قدّم مساعدات عسكرية ومالية سخية لكييف، واستقبل نحو 5 ملايين لاجئ أوكراني، فإن الدعم النوعي والحاسم ظل أمريكيًا على المستويين الاستخباري والعسكري.

ومع وصول ترامب إلى ولايته الثانية في البيت الأبيض، لوّح، مرارًا، بالكلفة الباهظة التي تتحملها بلاده نتيجة هذه الحرب، فشرع في جهود لخفض الفاتورة، وسعى إلى تسوية لا تراعي بالضرورة مصالح حلفائه الأوروبيين.

ويرى مراقبون أن إدارة ترامب تميل إلى عقد صفقة قد تكون أكثر ملاءمة لروسيا مما هي منسجمة مع طموحات أوروبا، التي تبحث عن ضمانات في أي تسوية مقبلة تحول دون تكرار التهديد الروسي.

بهذا المعنى، كشفت الحرب الأوكرانية من جهة حدود النفوذ الأوروبي، وأظهرت من جهة أخرى أن واشنطن قد تعتمد سياسات لا تلبّي مخاوف القارة العجوز، على خلاف ما كان سائدًا طوال العقود الماضية.

الناتو

وفي سياق حديثها عن تراجع الاهتمام الأمريكي بأوروبا، طالبت كالاس بأن يصبح حلف شمال الأطلسي "أكثر أوروبية"، في إشارة إلى اعتماده المفرط على القدرات الأمريكية في مجالات القيادة، والردع النووي، والنقل الإستراتيجي.

وإذا كانت الحرب الأوكرانية قد عززت، إلى حد ما، الروابط داخل الناتو، فإن أزمة جزيرة غرينلاند أثارت شكوكًا بشأن مستقبل الحلف، في ظل مطالبات ترامب بضم الجزيرة، وهو ما يُعد انتهاكًا لميثاقه، باعتبار أن ذلك يشكل تهديدًا لدولة عضو هي الدنمارك.

أخبار ذات علاقة

توقيع اتفاقية التجارة بين أوروبا ودول ميركوسور

اتفاقية الاتحاد الأوروبي-ميركوسور عند مفترق طرق.. ما الخطوة التالية؟

ويتذرع ترامب بأن للجزيرة أهمية إستراتيجية للأمن القومي الأمريكي، لكونها موقعًا حيويًا للإنذار المبكر والسيطرة على القطب الشمالي، فضلًا عن دورها في تعزيز فاعلية "القبة الذهبية" المرتقبة، ومنع الصين وروسيا من توسيع نفوذهما في المنطقة.

ويرى خبراء أن هذا المنطق الأمريكي يوحي بأن اهتمام واشنطن لم يعد منصبَّاً على حماية أوروبا ككتلة واحدة، بل بات يركز على تأمين "الجغرافيا الأوروبية" التي تمس أمنها المباشر، حتى وإن كانت تلك الأراضي تتبع، رسميًا، لدول حليفة.

ويخلص الخبراء إلى أن ذلك لا يعني انتهاء الحماية الأمريكية كليًا، إلا أنه من الواضح أن واشنطن لم تعد راغبة في لعب دور "الحارس المجاني"، إذ أصبحت الحماية مشروطة وقابلة للتفاوض ومرهونة بالأولويات، وهو ما يضع أوروبا أمام سؤال لم يُطرح بجدية منذ الحرب العالمية الثانية: من سيحمي القارة إذا أدارت لها واشنطن ظهرها؟

logo
تابعونا على
جميع الحقوق محفوظة © 2026 شركة إرم ميديا - Erem Media FZ LLC