كشفت التطورات الأخيرة في سوريا أن التحالف التاريخي بين الولايات المتحدة وقوات سوريا الديمقراطية "قسد" بقيادة الأكراد، بدأ ينهار مع إعادة التموضع الاستراتيجي لإدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تجاه دمشق.
وبحسب تقرير لصحيفة "لوموند" الفرنسية، جاء التركيز الأمريكي الهادف إلى دعم وحدة سوريا، على حساب "الحلم الكردي" في الحكم الذاتي بمنطقة "روجافا" شمال شرقي البلاد.
وقالت الصحيفة، إن الرسالة التي أصدرها المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا توم باراك، في 20 يناير، وضعت نهاية للغموض الاستراتيجي الذي دام عقداً وميز العلاقة بين واشنطن والقوات الكردية.
وجاءت الرسالة بعد أن استعادت الحكومة السورية السيطرة على نحو 80% من الأراضي التي كانت تحت إدارة قوات "قسد"؛ ما عزز شعور الأكراد بأنهم تُركوا لمصيرهم، وفق وصف "لوموند".
المبعوث الأمريكي توماس باراك، برر قرار بلاده قائلاً: "إن الدعم الأمريكي للقوات الكردية كان مرتبطًا حصراً بالشراكة في مواجهة تنظيم داعش منذ 2014، وأن واشنطن لم تمنح الأكراد أي اعتراف بحقهم في تقرير المصير".
وأضاف باراك أن "المهمة الأصلية لقوات سوريا الديمقراطية باتت اليوم متجاوزة، وأن دمشق قادرة ومستعدة لتحمل مسؤوليات الأمن"، مذكراً بعدم رغبة الولايات المتحدة في وجود عسكري طويل الأمد.
وكانت هذه التصريحات بمثابة صدمة لقيادات الأكراد، الذين اعتبروا أن واشنطن لم تحمِ مناطقهم من سيطرة الجيش السوري، بل دفعتهم لإبرام اتفاق يقضي بدمجهم ضمن الدولة السورية في 30 يناير؛ ما أنهى حلم الحكم الذاتي فعلياً.
ويرى مسؤولون أكراد في دمشق، أن مسار الأحداث حُسم في باريس خلال جولة مفاوضات "سورية–إسرائيلية" بتاريخ 5 يناير، برعاية أمريكية وتركية؛ ما منح الرئيس السوري الجديد أحمد الشرع مساحة للتحرك بحرية بشأن الملف الكردي.
ونقلت "لوموند" عن مسؤولين في دمشق قولهم إن القوات الكردية أخطأت في قراءة التحولات الأمريكية والإقليمية، وحاولت تكوين تحالفات بين الأقليات، وهو ما وصفوه بـ"الخطأ الاستراتيجي".
ولفت التقرير، إلى أن الرئيس أحمد الشرع أصدر في 17 يناير مرسوماً يمنح الأكراد حقوقاً وطنية وثقافية ولغوية؛ ما ألغى الحصرية الكردية في التمثيل السياسي.
ونقلت الصحيفة عن دبلوماسي فرنسي في باريس، تأكيده أن الانتصار السوري جاء نتيجة "خطأ أمريكي في ضبط خطوط حمراء واضحة"، حيث أُعطي النظام الضوء الأخضر تدريجياً لإعادة وحدة البلاد.
وفي المقابل، تدخل الرئيس ترامب لإيقاف الهجوم مؤقتاً، وإخراج نحو 7 آلاف سجين من تنظيم داعش من السجون الخاضعة لسيطرة الأكراد، وإرسالهم إلى العراق في خطوة بررها بأنها تأتي حفاظاً على الأمن الإقليمي.
وخلصت "لوموند"، في تقريرها، إلى أن الاتفاق الذي توصلت إليه دمشق وقوات "قسد" في 30 يناير 2026، أنهى المرحلة الحرجة، كما أنه نجح في تحقيق ما أرادته دمشق، حيث جمعت بين وحدة سوريا ومنح الأكراد حقوقاً محدودة وحكماً ذاتياً نسبياً.
وأشارت إلى أن الاتفاق عكس أولويات الإدارة الأمريكية الجديدة في المنطقة، القائمة على ضمان الاستقرار ووحدة الأراضي السورية، حتى لو كان ذلك على حساب الاستقلالية الكردية التاريخية.