في قلب المحيط الهندي، وعلى مسافة آلاف الأميال من لندن وواشنطن، تتشابك خيوط أزمة دبلوماسية بالغة التعقيد تهدد بإعادة رسم ملامح العلاقة الخاصة بين بريطانيا والولايات المتحدة.
جزر تشاغوس، ذلك الأرخبيل النائي الذي لا يعرفه كثيرون، بات اليوم في صدارة الأجندة السياسية البريطانية، محاصرًا بين ضغوط البيت الأبيض من جهة، وتهديدات قانونية مكلفة من موريشيوس من جهة أخرى.
بالتزامن مع ذلك، يتصاعد الجدل الداخلي في لندن حول صفقة يصفها المؤيدون بـ"الضرورة الاستراتيجية"، بينما يراها المعارضون "تفريطا".
من جهتها، كشفت صحيفة "ذا تلغراف" البريطانية، أن المملكة المتحدة باتت تواجه خطر دفع تعويضات بمليارات الجنيهات إذا أُجبرت على التراجع عن اتفاقية تشاغوس مع موريشيوس، وذلك في ظل الضغوط المتصاعدة من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي طالب لندن بالتخلي عن الصفقة قائلًا: "لا تتنازلوا عن دييغو غارسيا".
وتقضي الاتفاقية التي أبرمها رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر عام 2025 بنقل السيادة على الأرخبيل إلى موريشيوس، مقابل احتفاظ لندن بحق استئجار القاعدة العسكرية في جزيرة دييغو غارسيا لمدة 99 عامًا، بتكلفة إجمالية تبلغ نحو 35 مليار جنيه إسترليني، أي ما يعادل نحو 101 مليون جنيه سنويًا.
وبحسب "ذا تلغراف"، أفاد مصدران من وايتهول بأن التراجع عن المعاهدة سيفتح الباب أمام دعاوى قضائية موريشيوسية في المحاكم الدولية قد تُلزم بريطانيا بدفع المبالغ المتفق عليها مقدمًا.
وتمر موريشيوس بضائقة مالية حادة؛ إذ تتجاوز ديونها الحكومية 80% من الناتج المحلي الإجمالي، وفق ما أوردته الصحيفة ذاتها، ودفع هذا الواقع رئيس الوزراء الموريشيوسي نافين رامغولام إلى المطالبة بتسريع جدول الدفعات، بحيث تتسلم بلاده 1.8 مليار جنيه في العقد الأول من الاتفاقية، يُخصص منها ما يقارب 500 مليون جنيه لسداد جزء من الدين الوطني.
وأشارت الصحيفة، إلى أن موريشيوس تمتلك سجلًا حافلًا من الملاحقات القضائية ضد لندن في المحاكم الدولية، وأن القضاة الدوليين دأبوا على الانحياز إلى جانبها في النزاعات المتعلقة بالأرخبيل على مدى أكثر من عقد.
لم يقتصر موقف الرئيس الأمريكي على المعارضة العلنية؛ فقد كشفت "ذا تلغراف" أن ترامب تراجع عن دعمه للصفقة بعد أن رفضت بريطانيا منحه إذنًا باستخدام قاعدة فيرفورد الجوية في مقاطعة غلوسترشر لشن ضربات محتملة ضد إيران، وأبدت لندن تحفظات قانونية حيال ذلك في إطار القانون الدولي.
وأثار ترامب على منصة "تروث سوشيال" شكوكًا في المبررات القانونية للصفقة، معتبرًا إياها "وهمية بطبيعتها".
غير أن التحليل الذي نشره موقع "سريلانكا غارديان" نقلًا عن "ذا تايمز" البريطانية يرسم صورة مغايرة؛ إذ يرى بن جودا، المستشار الخاص السابق في وزارة الخارجية البريطانية والمشارك في صياغة الصفقة، أن الاتفاقية ضرورة استراتيجية لا مفر منها.
فموريشيوس قد تنزلق نحو الفلك الصيني إذا لم تُحسم القضية، ما يهدد الوجود العسكري الغربي في منطقة بالغة الحساسية.
في خضم هذا الجدل، حاول زعيم حزب "ريفورم يو كيه" نايجل فاراج تحويل الأزمة إلى مادة سياسية، حين سافر إلى جزر المالديف حاملًا إمدادات غذائية ودوائية لأربعة من سكان تشاغوس الأصليين المعتصمين في جزيرة إيل دو كوان بهدف إقامة مستوطنة دائمة على الأرخبيل.
بيد أن المحاولة باءت بالفشل، وفق ما أوردته صحيفة "إنديبندنت"، إذ اشترطت السلطات البريطانية أن يكون على متن السفينة طاقم مدرب فقط.
وأكد فاراج، أن مسؤولًا رفيعًا في حكومة المالديف أبلغه بأن لندن طلبت منع سفره، وهو ما رفض مسؤولون بريطانيون الإقرار به.
في المقابل، هاجمه وزير الدفاع السابق بن والاس عبر منصة "إكس"، واصفًا ما قام به بـ"المهارات الدعائية على طريقة حركة "ماغا" الأمريكية، ومذكّرًا بأن زيارة أي من أعضاء البرلمان للأرخبيل تستلزم الحصول على تصريح مسبق.
على الرغم من كل هذه الضغوط، أعلنت الحكومة البريطانية تمسكها بالمضي قدمًا في الاتفاقية، مستندةً إلى أن الحفاظ على دييغو غارسيا قاعدةً آمنة وفاعلة هو الهدف الجوهري من الصفقة برمتها.
وأوضح متحدث باسم وزارة الخارجية، أن بريطانيا ورثت وضعًا كانت فيه سيادتها على الجزر "مهددة"، مشيرًا إلى أن الاتفاقية "الطريقة الوحيدة لضمان بقاء القاعدة آمنة وفاعلة على المدى البعيد".
وتؤكد "ذا تلغراف"، أن الحكومة البريطانية تجد نفسها في موقف لا تحسد عليه: فإن مضت في الصفقة خسرت ثقة واشنطن، وإن تراجعت عنها واجهت تعويضات ضخمة لموريشيوس وسنوات من المعارك القانونية الدولية.