استبعد خبراء في العلاقات الدولية تقديم روسيا والصين وإيران الدعم العسكري واللوجيستي المطلوب لـ"كراكاس"، لمواجهة أي اعتداء أو هجمات عسكرية قد تشنها الولايات المتحدة على فنزويلا، على الرغم من العلاقات المميزة واتفاقيات الصداقة التي تجمع البلد اللاتيني بموسكو وبكين وطهران.
وأرجع الخبراء ذلك، في تصريحات لـ"إرم نيوز"، إلى البعد الجغرافي بين تلك الدول وفنزويلا، وعدم رغبتها في الوقت نفسه بالدخول في صراع مباشر مع الولايات المتحدة، موضحين أن الدعم لـ"كراكاس" في حال أي اعتداء أمريكي سيكون محدودًا وغير مباشر.
ويرى الخبراء أن السياسة العسكرية لإدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في أمريكا اللاتينية، التي تعد بمثابة الحديقة الخلفية للولايات المتحدة، والتي تبدو المواجهة مع فنزويلا فصلًا منها، تأتي ضمن تمدد النفوذ الروسي والصيني في القارة الجنوبية.
وكانت صحيفة "واشنطن بوست"قد كشفت عن وثائق أمريكية تُظهر أن رئيس فنزويلا نيكولاس مادورو، طلب من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، إصلاح منظومات الرادارات، والطائرات المقاتلة، والصواريخ.
وبحسب الوثائق التي قدمتها "واشنطن بوست"، فإن فنزويلا طلبت أيضًا من الصين وإيران مساعدات ومعدات عسكرية لتعزيز دفاعات البلاد.
وتزامن مع ذلك نفي الرئيس ترامب أن يكون قد اتخذ قرارًا بشن ضربات داخل فنزويلا ضمن حملة عسكرية ضد عصابات المخدرات.
وسأل أحد الصحفيين الرئيس ترامب على متن طائرة الرئاسة أثناء توجهه إلى فلوريدا لقضاء عطلة نهاية الأسبوع، قائلًا: "ترددت تقارير تفيد بأنكم تفكرون في شن ضربات داخل فنزويلا، هل هذا صحيح؟"، فأجاب ترامب: "لا".
ويؤكد أستاذ التواصل السياسي في جامعة كادس إشبيلية الإسبانية والخبير في الشؤون اللاتينية، الدكتور محمد المودن، أنه في ضوء تصاعد التوتر في البحر الكاريبي بين فنزويلا والولايات المتحدة، وما كشفته الوثائق الأمريكية عن اتصالات كراكاس بكل من موسكو وبكين وطهران، يبدو أن مسألة احتمالات السلام تظل رهينة بتوازن دقيق بين المصالح الإقليمية والدولية.
وبيّن المودن، في تصريحات لـ"إرم نيوز"، أن السعي الفنزويلي لتنويع مصادر الدعم العسكري من خلال اتصالات بالصين وروسيا وحلفاء آخرين، يعكس خوفًا من العزلة والحصار الأمريكي، بينما تنظر واشنطن إلى هذه الخطوة من الانفتاح باعتبارها تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي في منطقة تُعد تقليديًا مجال نفوذها الحيوي.
وأوضح المودن أنه من الناحية الجيوسياسية لا تخدم الحرب أي طرف، حيث إن روسيا كما يعلم الجميع غارقة في استنزافها الأوكراني، والصين لا ترغب في مواجهة مفتوحة تهدد تجارتها العالمية، وإيران تستخدم صورة الدعم العسكري كورقة ضغط رمزية في صراعها الأشمل مع الغرب.
ويعتقد المودن أنه في ظل معاناة الاقتصاد الفنزويلي من هشاشة داخلية تجعل من خيار الحرب ربما انتحارًا سياسيًا واقتصاديًا، فإن فرص السلام رغم هشاشتها تظل أقرب من الانفجار العسكري، ويمكن للدبلوماسية متعددة الأطراف عبر الأمم المتحدة، والوساطة البرازيلية والمكسيكية وربما الفاتيكان، أن تفتح مسارات لتسوية متدرجة تشمل تخفيف العقوبات مقابل التزامات فنزويلية بعدم عسكَرة المنطقة.
واستكمل المودن أن التهدئة لم تأتِ من النوايا كما هو معلوم، بل من إدراك جماعي بأن عسكَرة الكاريبي ستعيد رسم خريطة النفوذ العالمي في لحظة دولية متوترة، والسلام هنا ليس خيارًا مثاليًا بل ضرورة إستراتيجية تفرضها موازين القوى، لأن محدودية القدرة على تحمّل حرب جديدة في نصف الكرة الغربي تجعل الخيار الوحيد الممكن هو السلام، كحتمية واقعية تفرضها ظروف المرحلة.

وبدوره يقول الخبير في العلاقات الدولية، الدكتور سمير أيوب، إن التهديدات والاستفزازات الأمريكية لكراكاس حتى الآن لا توحي بوجود معركة شاملة بين الطرفين، لأن ميزان القوى العسكرية ليس في مصلحة فنزويلا في ظل فارق شاسع في القدرات الحربية لصالح الولايات المتحدة.
وأضاف أيوب، في تصريحات لـ"إرم نيوز"، أن ما يجري من واشنطن يدل على مأزق السياسة العدوانية التي تتبعها إدارة ترامب الحالية والرؤساء الذين سبقوه في البيت الأبيض، وليس على تفوقها، في ظل تعدد المحاولات بكل الأساليب لإحداث الفوضى الداخلية في أمريكا اللاتينية لتغيير الأنظمة التي تعتبرها معادية، ولم تنجح في ذلك، مما يعكس قوة رصيد هذه الأنظمة من التأييد الشعبي ووجود بيئة حاضنة وداعمة لها تفوق كل تلك المحاولات الأمريكية.
وتابع أيوب أنه مع ذلك لا يمكن استبعاد أن يقوم ترامب أو ما يُعرف بـ"حكومة الحرب الأمريكية" بتنفيذ اعتداءات ضد فنزويلا، في ظل الذرائع التي تأخذ شكل ادعاءات واتهامات موجهة للرئيس مادورو بأنه يمّول عصابات تتاجر بالمخدرات.
وأشار أيوب إلى أن فنزويلا لديها حلفاء أقوياء مثل روسيا التي تربطها بها علاقات مميزة واتفاقيات صداقة، وكذلك إيران والصين اللتان تجمعهما مع كراكاس مصالح مشتركة تدفع تلك الدول إلى دعم فنزويلا والدفاع عنها في حال تعرضها لأي عدوان، لكن بسبب البعد الجغرافي وعدم رغبة هذه البلدان في الدخول في صراع مباشر مع الولايات المتحدة، فإن الدعم سيكون محدودًا وغير مباشر، مستبعدًا أن تدافع هذه الدول عن فنزويلا وتدخل في صراع مباشر.
واستكمل أيوب أن لهذا السبب تدعو روسيا والصين إلى حل هذا الصراع عبر المفاوضات واللجوء إلى مجلس الأمن استنادًا إلى القوانين الدولية، ومع ذلك تبقى سياسة الإرهاب والابتزاز والتهديد التي تمارسها الإدارة الأمريكية ضد دول أمريكا اللاتينية مصدر قلق كبير لكل من موسكو وبكين، لما لهما من مصالح في تلك المنطقة، ويبدو أن الهدف الأمريكي الحقيقي هو الحد من تمدد النفوذ الروسي والصيني في أمريكا اللاتينية.
وأردف أن هذا التصعيد يدخل في إطار الصراع الدولي بين سياسة القطب الواحد التي تتبعها الولايات المتحدة، والمساعي الروسية والصينية ومعهما بعض دول العالم الثالث لإقامة نظام دولي متعدد الأقطاب، في وقت تسعى فيه واشنطن إلى كبح وإخضاع دول أمريكا اللاتينية ووضعها تحت مظلتها الأمنية والسياسية، بينما تسعى تلك الدول للحفاظ على سيادتها واستقلالها، وترى في روسيا والصين وإيران منفذًا لها وممرًا في تسليح جيوشها ومواجهة أي عدوان أمريكي.
ويرى أيوب أن إدارة ترامب لا تبحث عن سلام شامل في تلك المنطقة التي تعتبرها واشنطن خلفية للدفاع عن أمنها القومي، إلا أن المواجهة المباشرة تظل مستبعدة، وقد يقتصر التصعيد على استهداف مواقع حساسة داخل فنزويلا لزعزعة الوضع الداخلي وتهيئة الأجواء لمحاولات قلب النظام أو إشعال اضطرابات داخلية وفتح الطريق أمام أطراف المعارضة.