في توقيت بالغ الأهمية انطلقت جولة جديدة من المفاوضات غير المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران، وسط تصعيد سياسي وأمني متزامن، وتحذيرات أمريكية عاجلة لرعاياها بمغادرة الأراضي الإيرانية فوراً.
كل ذلك فتح باب التساؤلات حول ما إذا كانت هذه المحادثات تمثل محاولة أخيرة لاحتواء الأزمة، أم غطاء دبلوماسياً يسبق مواجهة عسكرية محتملة.
وتتزامن محادثات مسقط مع تحركات أمريكية لافتة، أبرزها التحذير الأمني العاجل الذي أصدرته وزارة الخارجية الأمريكية، ودعت فيه مواطنيها إلى مغادرة إيران فوراً عبر المنافذ البرية باتجاه أرمينيا أو تركيا، في ظل تشديد أمني، واضطرابات في النقل، واحتمالات انقطاع الاتصالات، وهي خطوات تُقرأ عادة ضمن إجراءات استباقية تُرافق مراحل التصعيد أو الضغط السياسي العالي.
في هذا السياق، يرى الباحث في مجال العلاقات الدولية خالد الغريباوي أن "مفاوضات مسقط لا يمكن قراءتها باعتبارها مساراً لحل شامل بقدر ما تمثل نموذجاً لإدارة أزمة معقّدة".
ويقول الغريباوي لـ"إرم نيوز" إن "هذه المفاوضات تندرج ضمن منطق ضبط الصراع لا تسويته، إذ تقوم العلاقة بين واشنطن وطهران على بنية صراعية عميقة تجعل التفاوض موجهاً نحو تعديل السلوك المرحلي وليس معالجة الجذور".
ويضيف أن "الطرفين يتحركان وفق (براغماتية قسرية)، فالولايات المتحدة تسعى لتجنب انفجار إقليمي يهدد أسواق الطاقة والاقتصاد العالمي، فيما تدخل إيران المباحثات وهي تحت ضغط اقتصادي واجتماعي يدفعها لكسر العزلة وشراء الوقت دون تقديم تنازلات جوهرية".
وتمثل مشاركة شخصيات أمنية وعسكرية في التفاوض، بحسب مراقبين، دلالة على إدارة الخطر أكثر من السعي إلى اتفاق نهائي.
وتأتي هذه الجولة في ظل غياب رؤية أمريكية موحدة حول طبيعة أي عمل عسكري محتمل، إذ نقلت وسائل إعلام أمريكية عن مسؤولين أن إدارة الرئيس دونالد ترامب لم تحسم بعد أهدافها من أي ضربة محتملة، سواء كانت تهدف إلى إسقاط النظام الإيراني، أو إضعافه، أو إجباره على قبول قيود أوسع على برامجه النووية والصاروخية.
من جهته، وصف مدير المركز العراقي للدراسات الاستراتيجية، غازي فيصل، مفاوضات مسقط بأنها "محطة فاصلة بين الحرب والسلام"، مشيراً إلى أن "تداعيات أي فشل تفاوضي لن تقتصر على إيران والولايات المتحدة، بل ستمتد إلى بلدان أخرى".
ويقول فيصل لـ"إرم نيوز" إن "الولايات المتحدة تجمع تقليدياً بين التفاوض والاستعداد العسكري، واستخدام أدوات الضغط السياسي والنفسي، ومنها تحذير الرعايا، لدفع طهران نحو تغيير سلوكها الإقليمي".
ويضيف أن "غياب الضمانات المتبادلة واتساع فجوة الثقة يجعلان من أي اتفاق محتمل هشاً وقابلاً للانتكاس".
في المقابل، يعكس الخطاب الإيراني تشدداً واضحاً إزاء توسيع أجندة التفاوض.
وفي حديثه لـ"إرم نيوز"، اعتبر الدبلوماسي الإيراني السابق هادي أفقهي أن المفاوضات الجارية "ابتدائية ولا يمكن البناء عليها في هذه المرحلة"، مشدداً على أن إيران لن تقبل بإدراج ملف الصواريخ الباليستية أو الدور الإقليمي ضمن أي تفاوض.
وأضاف أفقهي أن "الحديث عن ضربة عسكرية متوقع في سياق الحرب النفسية"، مؤكداً أن "أي اتفاق محتمل سينحصر في ملفي التخصيب ورفع العقوبات، دون المساس بالخطوطها الحمراء".
وبحسب وكالة أنباء "تسنيم" الإيرانية، فإن المحادثات "تتعلق بالكامل بالملف النووي"، بينما تصر الولايات المتحدة على أن تشمل المفاوضات البرنامج الصاروخي لطهران، ودعمها لوكلائها في المنطقة، فضلاً عن تعاملها مع المتظاهرين.
ووفق تصريحات مسؤولين في طهران، لا يولي الإيرانيون وزناً كبيراً لتهديدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي اعتاد في كثير من الأحيان التراجع عنها، غير أن سجله التصعيدي فرض معادلات ردع واضحة.
وسبق أن أمر ترامب باغتيال القائد البارز في الحرس الثوري قاسم سليماني خلال ولايته الأولى، كما وافق في يونيو حزيران الماضي على توجيه ضربات جوية نفذتها قاذفات شبحية استهدفت ثلاثة مواقع نووية إيرانية، ما جعل التهديدات الحالية تقرأ في طهران بوصفها احتمالات قائمة لا يمكن تجاهلها.