logo
العالم

واشنطن بين موسكو وكييف.. وساطة تتحول إلى ضغط على "الطرف الأضعف"

ترامب وبوتين وزيلينسكيالمصدر: إعلام أمريكي

منذ عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، قدمت واشنطن نفسها وسيطًا بين موسكو وكييف، إلا أن مسار الأحداث خلال العام الأخير رسم صورة مختلفة عنوانها ضغط متصاعد على أوكرانيا مقابل انضباط أقل تجاه روسيا.

وبدأت هذه التحركات الأمريكية بتعليق المساعدات العسكرية والاستخباراتية عن أوكرانيا في مرحلة حساسة، قبل إعادة صياغتها عبر آلية بيع السلاح لحلفاء "الناتو" لنقله إلى كييف.

وفي مؤتمر ميونيخ للأمن، تحدث الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بوضوح عن اختلال ميزان الضغوط، مشيرًا إلى أن الحديث عن "التنازلات" يتركز على بلاده أكثر من تركّزه على موسكو.

أخبار ذات علاقة

قصف روسي على كييف

خبراء: روسيا تستغل الضغط العسكري لفرض استراتيجيتها على أوكرانيا

واعترف زيلينسكي بوجود ضغط مباشر يدفع نحو تسوية سريعة، في وقت طالب فيه بزيادة العقوبات على روسيا وتعزيز تسليح أوكرانيا، مشبهًا أجواء المفاوضات الراهنة بسابقة تاريخية تعكس مخاوف بلاده من تسويات تُفرض تحت وطأة الزمن.

وبحسب مراقبين، تمتد أدوات الضغط إلى 3 مسارات: إعادة ضبط تدفق السلاح، وتقليص الاعتماد على الغطاء الاستخباراتي الأمريكي المباشر، وإطلاق تصريحات علنية حملت طابعًا تحذيريًا بشأن ضرورة "التحرك سريعًا" نحو اتفاق.

وخلال مفاوضات جنيف الأخيرة، طُرحت أفكار تتعلق بدونباس وصيغ لإعادة ترتيب الوضع الميداني، إلا أن كييف أكدت مجددًا أن أي تنازل إقليمي سيحتاج إلى موافقة شعبية.

وعلى وقع هذه الضغوط، يبدو أن كييف وجدت نفسها أمام معادلة صعبة، تتمثل في الحفاظ على شراكتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، والتعامل في الوقت ذاته مع وساطة تتحول تدريجيًا إلى عامل ضغط مباشر على الطرف الأضعف في المعادلة.

واشنطن "ليست محايدة"

يرى مستشار مركز السياسات الخارجية الأوكراني إيفان يواس، أن الولايات المتحدة لا يمكن اعتبارها وسيطًا كاملًا أو محايدًا في الصراع القائم، لأن الوساطة الحقيقية تفترض الوقوف على مسافة واحدة من جميع الأطراف، لا التعامل مع طرف بوصفه معتديًا وآخر بوصفه ضحية، ثم مطالبة الضحية بتقديم تنازلات.

وأشار يواس، في تصريحات لـ"إرم نيوز"، إلى أن ما يجري حاليًا يبدو أقرب إلى "وساطة بين الخير والشر"، على حد تعبيره، موضحًا أن الضغط على أوكرانيا لوقف القتال من دون معالجة جذور الأزمة أو تحميل المسؤولية للطرف الذي تصفه كييف بالمعتدي، يثير تساؤلات جوهرية حول طبيعة هذه الوساطة وأهدافها.

ولفت إلى أن أوكرانيا ترى نفسها "ضحية عدوان"، ولذلك فهي ترحب بالسلام من حيث المبدأ، لكنها ترفض أي صيغة تسوية تكافئ ما وصفه بـ"العدوان" أو تضفي شرعية على الأمر الواقع الذي نشأ خلال السنوات الاثنتي عشرة الماضية.

وأضاف يواس، أن القبول بمثل هذه الطروحات قد يفتح الباب أمام صراع طويل الأمد، أو يؤدي إلى تجميد النزاع في مناطق مثل دونباس، بما يحول الأزمة إلى بؤرة توتر مستدامة.

وأشار إلى أن "الضغوط التي تمارسها بعض الدول الأوروبية، بما في ذلك فرنسا والمملكة المتحدة، لا تعني بالضرورة أن كييف مستعدة للموافقة على المقترحات المطروحة، وأن التجارب التاريخية أثبتت أن التنازلات غير المتوازنة قد تقود إلى نتائج أكثر خطورة على المدى البعيد".

وشدد يواس على أن "أوكرانيا تسعى إلى سلام عادل ودائم، لا إلى تسوية مؤقتة تُفرض تحت الضغط، وأن أي مبادرة لا تراعي مبادئ السيادة والعدالة لن تحظى بقبول الجانب الأوكراني".

وتابع: "بعض المقترحات المطروحة حاليًا تعكس، من وجهة نظر كييف، موقفًا سلبيًا تجاه حقوقها ومطالبها المشروعة".

استفادة أمريكية

من جانبه، يرى أستاذ العلوم السياسية بجامعة موسكو د. نزار بوش، أن "الجولة الثالثة من المفاوضات بين روسيا والولايات المتحدة وأوكرانيا في جنيف كانت معقدة وصعبة لعدة أسباب، في مقدمتها تمسك روسيا بتنفيذ ما تم التوافق عليه بين ترامب والرئيس الروسي فلاديمير بوتين في ألاسكا".

وأشار في تصريحات لـ"إرم نيوز" إلى أن "الطرف الأوكراني بالمقابل لا يرغب في الالتزام الكامل بما ورد في مخطط ترامب، أو ما تم الاتفاق عليه بين موسكو وواشنطن هناك".

ولفت إلى أن "هذا الموقف الأوكراني يتأثر بضغوط أوروبية، لا سيما من ألمانيا وفرنسا وبريطانيا، التي تدعم كييف سياسيًا وماليًا وعسكريًا، وتشجعها على مواصلة الحرب".

واعتبر بوش أن "للرئيس ترامب رؤية مختلفة، إذ يعتقد أن روسيا لن تخسر الحرب، وأن الوضع الميداني يختلف عما تعلنه كييف وبعض العواصم الأوروبية".

وأشار إلى أن "الولايات المتحدة تمارس ضغوطًا على كييف للقبول بخطة ترامب والتفاهمات التي جرى التوصل إليها في ألاسكا، سعيًا إلى إنهاء الحرب وتقديم ترامب بوصفه صانع سلام قادرًا على إنهاء أكبر صراع عسكري في أوروبا"، مشددًا على أن هذه الضغوط لا تبدو كافية حتى الآن.

أخبار ذات علاقة

ترامب وبوتين في قمة ألاسكا

صفقات قبل السلام؟ مستثمر أمريكي يختبر العودة إلى روسيا في عهد ترامب

وأوضح بوش أنه "لو أرادت الولايات المتحدة فعليًا إنهاء الحرب، لكان بإمكانها وقف الدعم العسكري لأوكرانيا، أو على الأقل الامتناع عن بيع الأسلحة للدول الأوروبية التي تنقلها بدورها إلى كييف".

واعتبر أن "الولايات المتحدة هي المستفيد الأكبر من استمرار الحرب، إذ تجني مكاسب مالية وسياسية، في وقت تعاني فيه أوروبا اقتصاديًا، وتتكبد روسيا وأوكرانيا خسائر كبيرة، خصوصًا الأخيرة التي تُعد الخاسر الأكبر".

ولفت بوش إلى أن "الطرف الأوكراني هو الأضعف في هذه المفاوضات، لاعتماده على الدعم الأوروبي مالًا وسلاحًا".

وأشار إلى أن "هذا الدعم لن يستمر إلى ما لا نهاية، في ظل ما تعانيه الاقتصادات الأوروبية من أزمات داخلية، وهو ما يتجلى في الاحتجاجات التي تشهدها شوارع باريس وبرلين ولندن".

logo
تابعونا على
جميع الحقوق محفوظة © 2026 شركة إرم ميديا - Erem Media FZ LLC