استقبلت الصحافة الفنزويلية المستقلة وأوساط واسعة من المجتمع المدني المحلي والدولي، مصادقة البرلمان على قانون العفو العامّ بكثير من التحفظ.
ووصفت تلك التقارير القانون بـ"الاستبعاد المقنن" لزعيمة المعارضة ماريا ماتشادو من خوض الانتخابات الرئاسية وفسح المجال أمام الرئيسة المؤقتة ديلسي رودريغيز للفوز بها.
ووقّعت ديلسي رودريغيز القانون الذي من المفترض أن يُطبق بأثر رجعي ليشمل أحداثًا تعود إلى عام 1999 من بينها الانقلاب على الرئيس الراحل هوغو تشافيز، وإضراب النفط في 2002، وأعمال الشغب في 2024 احتجاجًا على إعادة انتخاب نيكولاس مادورو رئيسًا لفنزويلا.
استثناءات عديدة
وتستثني بعض فصول التشريع كل من شجّع على الأعمال المسلحة ضدّ فنزويلا، وهي مواد تكاد تجمع القراءات السياسية والإعلامية المتابعة للشأن الفنزويلي أنّه يستهدف المعارضة "ماريا ماتشادو" التي أيدت العملية العسكرية الأمريكية في 3 كانون الثاني الماضي.
حيث تنص المادة التاسعة من التشريع على استثناء كل من حوكم أو أدين أو قد يحاكم بتهم تشمل الترويج، أو التحريض، أو الطلب، أو التفضيل، أو التسهيل، أو التمويل، أو المشاركة في أعمال مسلحة أو قسرية ضدّ الشعب الفنزويلي وسيادة البلاد وسلامتها الإقليمية.
وقوبل القانون برفض واضح من قبل الفريق السياسي لماتشادو، الذي اعتبر على لسان القيادي "بيدرو أوروتشورتو" أنّ القانون لا يلغي الحظر المفروض على تولي المناصب العامة.
وتحيل تصريحات أوروتشورتو إلى القرار الإداري الصادر عن المراقب العام والذي يقضي بمنع ماتشادو من الترشح للمناصب العليا لمدة 15 عامًا، إذ إنّ قانون العفو العام الصادر أمس لم يشر إلى العقوبات الإدارية التي صدرت في حقّ بعض المعارضين البارزين، الأمر الذي يجعلها سارية المفعول ضدّهم ونافذة في حقهم.
عفو انتقائي
من جهتها، وصفت جريدة "الناسيونال" المعارضة القانون بأنه "عفو انتقائي" و"مسرحية لتشريع الانقلاب الداخلي"، متقاطعة مع بعض التقارير الإعلامية الغربية – من بينها مجلة "بلومبرغ"- التي اعتبرت انّ حكومة رودريغيز توظف ملف السجناء ك "عملة تبادل" مع واشنطن لتعليق العقوبات النفطية، بينما تضمن إقصاء ماتشادو من السباق الرئاسي القادم، ومن أي استحقاق انتخابي مقبل.
ويتوافق تعليق "الناسيونال" مع تصور "المنتدى الجنائي الفنزويلي" – وهي جمعية أهلية عريقة ومعروفة بمتابعة قضايا السجناء السياسيين في فنزويلا- والذي أكد في تقارير دورية سابقة أنّ العفو في فنزويلا غالبًا ما يكون إجرائيًا وليس سياسيًا، أي أنّ الشخص قد ينعم بالحرية الجسدية ولكن ملفه لدى المراقب العام للجمهورية يظل مفتوحًا بقرار "عدم الأهلية" لشغل مناصب عامة رفيعة.
بدوره نشر موقع "إل بيتازو elpitazo" تحليلًا قانونيًا معمقًا بقلم عدد من الخبراء الدستوريين على رأسهم الدكتور "خوسيه فيسنتي هارو".
وتوصل التحليل إلى أنّ البرلمان تجاهل المذكرة التحذيرية الصادرة عن بعثة تقصي الحقائق الأممية الصادرة في 9 فبراير، والتي حذرت من تسييس الإجراءات القانونية ومن التضييق على الحريات العامة والخاصة، وعلى "الاستبعاد الكيدي" لبعض الأسماء المعارضة من "العفو العام".
محبوسة خارج صناديق الاقتراع
ويشير التحليل إلى أنّ المادة 11 من القانون الجديد تربط استعادة الحقوق السياسية بموافقة المجلس الوطني الانتخابي، وهو مجلس خاضع لحكومة رودريغيز بشكل كامل. وانتهى إلى أنّ القانون قد يجعل ماتشادو حرّة في المشي في الشوارع ولكنها محبوسة خارج صناديق الاقتراع.
من جهتها، تؤكّد صحيفة تايبي تايمز Taipei Times في قراءتها لقانون العفو العام أنّ المادة التاسعة قد تستخدم لإقصاء ماتشادو من المشاركة في الحياة السياسية.
وفي وقت سابق، أشارت ديلسي رودريغيز إلى أنّ ماريا ماتشادو في حال عودتها إلى فنزويلا ستواجه قضايا عديدة، وعليها أن تقدم إجابات واضحة عن سبب دعمها للتدخل العسكري ولدعوتها لفرض عقوبات على فنزويلا، وسبب احتفالها بالأحداث التي وقعت في بداية يناير.
بهذا التشريع الجديد – وفي حال حظي بموافقة واشنطن أو على الأقل فاز بعدم معارضتها العلنية- فإنّ ديلسي رودريغيز ستكون المرشحة الأقوى في الانتخابات الرئاسية القادمة والتي من المقرر أن تجرى نهاية العام الجاري.
إذ تكاد تجمع القراءات السياسية للواقع الفنزويلي أنّ رودريغيز نجحت إلى حدّ كبير في إيجاد التوازن المطلوب بين إكراهات الداخل والتي تنقسم بين مشاكل اقتصادية وطاقية متراكمة وبين صقور بوليفاريين يرفضون الخضوع الكامل لواشنطن، وبين ضرورات الخارج ممثلة في الضغوطات الأمريكية والتي تسعى إلى الهيمنة التامة والمطلقة على الشأن الفنزويلي.
ويشير المراقبون المتابعون للشأن الفنزويلي إلى أنّ رودريغيز تريد تغليب صورتها السياسية كامرأة نجحت في المشي بين حقول الألغام، وساهمت في إنجاح المرحلة الانتقالية الحرجة في البلاد، على صورة "خليفة مادورو" و"سليلة الثورة البوليفارية".
وإلى حين وصول فنزويلا إلى الاستحقاق الرئاسيّ، وإلى حين الكشف عن أسماء المترشحين المحتملين للانتخابات الرئاسية، يبدو أنّ رودريغيز عبّدت الطريق نحو كرسي الرئاسة، من خلال عدّة إجراءات على رأسها إطلاق الحوار السياسيّ، والإفراج عن المئات من السجناء، وآخرها قانون العفو التشريعي العام.