شكل مؤتمر ميونيخ للأمن، الذي انتهىت فعالياته اليوم الأحد، مناسبة لتسليط الضوء على الهواجس الأمنية للدبلوماسية الأوروبية، في وقت تتعرض فيه مسلّمة "أوروبا المحمية أمريكيا" للشكوك والاهتزاز.
وكثف المؤتمر الألماني الرفيع لحظة سياسية فارقة كشفت القلق الأوروبي حيال التحالف عبر الأطلسي، خاصة في ظل الولاية الثانية لللرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي لا يتوانى، بحسب خبراء، عن تعميق أزمة الثقة عبر سياسات لا تراعي، بالضرورة، مصالح شركائه الأوروبيين.
ويستشهد الخبراء لدعم مثل هذا التصور، بتهديدات ترامب في ضم جزيرة غرينلاند، الخاضعة لسيادة الدنمارك، ومحاولاته إيجاد تسوية أو "صفقة" بخصوص الحرب الأوكرانية قد تميل لصالح موسكو، فضلاً عن ملف الرسوم الجمركية والدعم غير الرسمي لليمين الأوروبي المتطرف، وقضايا الهجرة والمناخ التي تتباين المقاربات بشأنها.
وضمن هذا السياق، يمكن قراءة تصريحات المستشار الألماني فريدريش ميرتس، حول محادثات بشأن ردع نووي أوروبي، وتأكيد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، أن على أوروبا أن تصبح "قوة جيوسياسية"، ودعوة رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، إلى تفعيل ميثاق الدفاع الأوروبي المشترك.
ويرى خبراء أن هذه التصريحات تشير بوضوح إلى تحول في المزاج الإستراتيجي للقارة التي بدأت تبحث عن بدائل للمظلة الأمريكية التي حمتها لعقود، معتبرين أن البديهيات السياسية التي نظمت لعقود العلاقة عبر الأطلسي باتت عرضة لعدم اليقين.
ورغم أن خطاب وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، خلال مؤتمر ميونيخ، حمل نبرة تطمينية بشأن استمرار الشراكة عبر الأطلسي، غير أنها لم تبدد، بشكل حاسم، الشكوك الأوروبية المتراكمة.
وأكد روبيو أن واشنطن لا تسعى إلى التخلّي عن التحالف عبر الأطلسي، لكنه شدد في الوقت ذاته على أن القادة الأوروبيين ارتكبوا جملة من الأخطاء السياسية التي تستوجب تصحيح المسار، وفق ما أوردته وكالة "رويترز".
ولاحظ خبراء بأنه رغم التطمينات، فقد خلت تصريحات روبيو من التفاصيل والحيثيات التي تخفف هواجس الشركاء الأوربيين، إذ لم يذكر روسيا، الخصم الجيوسياسي الرئيس للقارة، ولم يشر إلى حلف "الناتو"، وهو التكتل الأمني الذي يمثل رمزاًَ تاريخياً قوياً للشراكة، كما لم يعبر صراحة عن استمرار دعم الولايات المتحدة لأمن القارة.
وفي إستراتيجية الأمن القومي الأمريكية السنوية الصادرة في ديسمبر/ كانون الأول الماضي، حذرت واشنطن من أن أوروبا تواجه "محوًا حضاريًا"، وقد تفقد يوماً ما مكانتها كحليف موثوق.
وفي موازاة هذا الغموض أو الفتور الأمريكي، إن جاز الوصف، أظهرت خطابات قادة أوروبا في المؤتمر كيفية التطلع بشكل متزايد إلى رسم مسار مستقل وسط قناعات أوروبية بدأت تتشكل في أروقة بروكسل حول نهاية حقبة "أوروبا المحمية أمريكيًا".
نهض الأمن الأوروبي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، على المظلة الأمريكية، التي أخذت شكلاً مؤسسيًا عبر حلف شمال الأطلسي "الناتو" الذي تأسس العام 1949، إذ تكفلت واشنطن، منذ ذلك الحين، بضمان أمن القارة التي عكفت بدورها على إعادة البناء، والتنمية، ومداواة جراح الماضي، بعد أن وجدت نفسها مدمرة اقتصادياً، ومنقسمة سياسياً، ومنهكة عسكرياً، بفعل الحرب.
ومع انهيار الاتحاد السوفيتي، والتغييرات الدراماتيكية في دول الكتلة الشرقية، دخلت أوروبا مرحلة يصفها الخبراء بـ"الاطمئنان المفرط"، فاحتمالية نشوب حروب كبرى بدت ضئيلة، مع افتراض راسخ أن واشنطن ستظل "الحارس الأمين".
لكن الأولويات تغيرت مع الزمن، فمنذ أكثر من عقد بدأت واشنطن تراجع سياساتها إزاء أوروبا، معتبرة أن الصين هي المنافس الإستراتيجي، فيما اختارت إدارة الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن، ورغم خطابها الداعم للتحالفات، تركيز الموارد العسكرية والسياسية على المحيطين الهندي والهادئ.
وبرز هذا التغير، عل نحو بالغ الوضوح، مع سياسات ترامب الذي يشكو من حماية قارة غنية لا ترغب في الدفاع عن نفسها، وشكك، مراراً، في التحالف عبر الأطلسي الذي أصبح عبئاً بالنسبة لواشنطن أكثر منه امتيازاً، وهي سياسة يراها خبراء منسجمة تماماً مع رؤية ترامب الذي يعرف بأنه رجل "صفقات" لا "تحالفات".
ويلاحظ الخبراء أن العامل الرئيس الذي هز التحالف عبر الأطلسي، قبل ذلك، هو الحرب الأوكرانية التي نسفت "وهم السلام" الدائم، وأجبرت القارة العجوز على التفكير في "الردع الذاتي" بعيداً عن الاعتماد الكلي على الولايات المتحدة.
ويميز الخبراء بين مستويين من الطموح الأوروبي في رسم سياسة مستقلة، أولهما يتمثل في تعزيز القدرة داخل الحلف نفسه، أي تقاسم الأعباء دون فك الارتباط مع واشنطن، بشكل جذري.
أما المستوى الثاني، فيتضمن السيناريو الأكثر "راديكالية"، وفق توصيف الخبراء، أي الاستقلال الكامل عن الضمانات الأمنية الأمريكية، لكن ذلك يبدو صعب المنال على المدى المنظور، كما يرجح الخبراء.
بهذا المعنى، فإن تصريحات ماكرون وميرتس، وغيرهما من الزعماء الأوروبيين، والداعية إلى توسيع هوامش السياسات الأمنية الخاصة بالقارة، لا تتضمن إشارات إلى قطيعة مع الولايات المتحدة، لكنها تعكس إدراكاً بأن الاعتماد الكامل على المظلة الأمريكية لم يعد كافياً.
ويرجّح خبراء أن أوروبا في وضعها الحالي لا تستطيع تحمل تبعات الاستقلالية عن واشنطن بشكل نهائي، فرغم ارتفاع الإنفاق الدفاعي في السنوات الأخيرة، فإن القارة تعاني من تعدد أنظمة التسليح، وغياب قيادة موحدة خارج إطار الناتو، ونقص في الأعداد البشرية التي أعادت مسألة "التجنيد الإجباري" إلى الواجهة.
ويضيف الخبراء بأن إدارة الظهر لواشنطن تتطلب تمويلاً أوروبياً ضخماً واستثمارات في مجالات الردع التقليدي والنووي، وفي البنية الصناعية الدفاعية المشتركة، وهو مسار مكلف سياسياً ومالياً، كما أن الوصول إلى الهدف المنشود يحتاج لسنوات.
علاوة على ذلك، فإن الاتحاد الأوروبي ليس دائماً على "قلب رجل واحد"، بل يضم دولاً متباينة الأهداف والمصالح والأولويات، فدول شرق أوروبا، مثل بولندا، على سبيل المثال، تميل إلى التشبث بالمظلة الأمريكية أكثر من دول الغرب، نظراً لقربها الجغرافي من روسيا.
وبدأ وزير الخارجية الأمريكي، اليوم الأحد، جولة في أوروبا الشرقية لتعزيز العلاقات مع سلوفاكيا والمجر، اللتين تربط زعيميهما المحافظين علاقات ودية مع ترامب، لكنهما على خلاف في الغالب مع دول الاتحاد الأوروبي الأخرى.
ويضاف إلى هذه العقبات، مزاج المواطن الأوروبي الذي اعتاد على "عائد السلام لعقود"، وأي تحول مفاجئ من "دولة الرفاه" نحو اقتصاد أمني ودفاعي، بفواتير باهظة، قد يواجه برفض داخلي سيؤدي إلى تغييرات في المشهد السياسي لصالح قوى اليمين المتطرف.
وفقاً لذلك، تستطيع أوروبا بناء قدرة دفاعية وأمنية أكبر لما تملكه من إمكانات اقتصادية ونفوذ دبلوماسي، لكن ذلك يحتاج سياسات موحدة لا يعكر صفوها الانقسام، واستثمارات دفاعية مدروسة وطويلة الأمد، وتكريس مفاهيم سياسية جديدة قائمة على الشراكة مع واشنطن، لا التبعية.
ويستنتج الخبراء بأن ما نشهده من سجالات حادة على ضفتي الأطلسي لا يعد نهاية للتحالف الطويل، فحقبة "أوروبا المحمية أمريكياً" لم تنتهِ بالكامل لكنها أيضاً لم تعد قائمة كما كانت، وهو ما يعني أفول نموذج قديم وبروز آخر بشروط وترتيبات وضمانات مختلفة لم يكن أحد يعيرها اهتماماً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.