
هنا، خلف هذه الجدران الحجرية الصامتة في ريف بلجيكا، انعقدت خلوة استراتيجية بعيدة عن صخب الكاميرات، قريبة من الميدان الملتهب. في قلعة "ألدن بيسن"، يطبخ مستقبل القارة العجوز على نار هادئة لكنها خطيرة. سبعة وعشرون قائداً أوروبياً اجتمعوا في لقاء استثنائي، يحاولون فك شفرة معادلة صعبة، والضيف الحاضر الغائب في كل زاوية هو "دونالد ترامب".
تعيش أوروبا اليوم حالة من "الانفصام الاستراتيجي". في القلعة البلجيكية، رفعوا شعار التمرد الاقتصادي.. غايتهم كسر قيود التبعية لواشنطن، وبناء حصن تنافسي يحميهم من رياح جمارك "أمريكا أولاً". يدرك هؤلاء أن زمن الاتكاء المريح على الحليف الأمريكي ولى، وأن البقاء في الغابة الدولية صار للأقوى صناعياً وتكنولوجياً.
لكن، انظروا إلى الوجه الآخر للصورة في "ميونيخ".. هنا تتعقد الحكاية وتتشابك الخيوط. المستشار الألماني "فريديريتش ميرتس" يمسك العصا من المنتصف.. يرفض التخلي عن المظلة الأمريكية، محذراً من واقع جيوسياسي مرير يفرضه "الدب الروسي" الرابض على الحدود. في المقابل، يبدو الرئيس الفرنسي"إيمانويل ماكرون" كفارس يغرد وحيداً، داعياً لقطيعة تامة واعتماد كلي على الذات الأوروبية.
وبينما يرسم الأمين العام لحلف شمال الأطلسي "مارك روتّه" ملامح "ناتو" بصبغة أوروبية أكثر وضوحاً، تشن رئيسة المفوضية الأوروبية "أورسولا فون دير لاين" هجوماً مضاداً على البيروقراطية الداخلية. الحقيقة المرة أن أوروبا تظل مجموعة من سبع وعشرين دولة صغيرة، تصارع عمالقة العالم بأسلحة قديمة ولوائح معقدة، وتتنازعها رؤى متصادمة حول كيفية مواجهة التنين الصيني والصقر الأمريكي.
هل نشهد اليوم صحوة الموت أم ولادة عملاق جديد يخرج من رماد الأزمات؟ الخيارات الأوروبية تضيق، والتضحيات مطلوبة في اللحظة الراهنة. فإما أن تتحول القارة إلى قوة موحدة تفرض شروطها بصلابة، أو تظل رهينة لتقلبات البيت الأبيض ومزاجية ساكنه الجديد.