logo
العالم

الصين تشتري ضعف إيران.. كيف حولت بكين عزلة طهران إلى صفقة رابحة؟

جندي من البحرية الإيرانية خلال تدريب عسكري في هرمزالمصدر: غيتي إيمجز

في ذروة الحرب والحصار البحري المفروض على إيران، لم يتوقف تدفّق النفط إلى الخارج، بل أعاد تشكيل خريطة الطاقة العالمية على نحو يكشف خللًا متزايدًا في موازين العلاقة بين طهران وبكين. 

فوفق تقديرات نشرتها "فايننشال تايمز" وتحليلات صادرة عن "مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية"، تتجه ما بين 80% و90% من صادرات النفط الإيراني إلى الصين، بمتوسط يتراوح بين 1.2 و1.4 مليون برميل يوميًّا خلال الأشهر الأخيرة.

هذه الأرقام تعني أن إيران، تحت ضغط العقوبات والحصار، لم تعد لاعبًا متعدد الخيارات في سوق الطاقة، بل مورّد يعتمد بشكل شبه كامل على مشترٍ واحد، يملك القدرة على فرض شروطه في لحظة ضعف غير مسبوقة.

خصومات قسرية

لم توقف الحرب الصادرات، لكنها غيّرت قواعدها. فقد اضطرت طهران إلى تقديم خصومات كبيرة لضمان استمرار التدفقات، إذ تشير تقديرات بلومبيرغ إلى أن النفط الإيراني يُباع بخصومات تصل 10–15 دولارًا أقل من خام برنت.

كما أوضحت بيانات وكالة الطاقة الدولية أن المصافي الصينية المستقلة استفادت من هذه التخفيضات لتعزيز هوامش أرباحها، في وقت رفعت فيه بكين من احتياطياتها الإستراتيجية مستفيدة من الأسعار التفضيلية.

وبهذا المعنى، لم يعد النفط الإيراني أداة نفوذ، بل تحوّل إلى أداة بقاء اقتصادي تُدار وفق شروط السوق القاسية.

انكماش الخيارات

تشير تحليلات معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، إلى أن إيران فقدت خلال السنوات الأخيرة معظم أسواقها التقليدية، لتصبح الصين الوجهة شبه الحصرية لصادراتها النفطية.

وتحذر تقارير مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات من أن هذا الاعتماد لا يقتصر على الجانب التجاري، بل يمتد إلى التأثير غير المباشر في القرار الاقتصادي، إذ يؤدي غياب التنوع في المشترين إلى تقليص هامش المناورة الإيرانية.

في المقابل، ترى تحليلات "المجلس الأطلسي" أن الصين نجحت في استثمار هذا الواقع لتأمين إمدادات مستقرة ومنخفضة الكلفة، من دون الانخراط في الصراع عسكريًّا أو سياسيًّا بشكل مباشر.

براغماتية الطاقة في زمن الحرب

رغم خطابها الداعي إلى التهدئة، تتعامل بكين مع الأزمة من منظور براغماتي بحت. فقد أظهرت بيانات وكالة الطاقة الدولية أن الصين رفعت احتياطياتها النفطية خلال فترة الحرب، في خطوة تهدف إلى تأمين استقرار طويل الأمد للإمدادات.

كما تشير دراسات معهد بروكينغز إلى أن الصين تعمل بالتوازي على تنويع مصادر الطاقة؛ ما يمنحها قدرة على الاستفادة من النفط الإيراني من دون الاعتماد الكامل عليه.

حيث يعكس هذا النهج معادلة واضحة، تقوم على الاستفادة من الأزمة من دون الارتباط بمخاطرها.

أخبار ذات صلة

 قارب وسفن تبحر في مياه مضيق هرمز

أمن الطاقة يدفع بكين للتشدد.. هرمز في قلب الحسابات الصينية

 

مصالح متبادلة.. بشروط مختلفة

في هذا السياق، يقول الخبير والاستشاري لدى الحكومة الصينية كمال الجفا إن "ما يُطرح حول استغلال الصين لظروف إيران هو قراءة سياسية مبسّطة تتجاهل طبيعة سوق الطاقة العالمية، حيث تُبنى العلاقات على المصالح المتبادلة لا على الاعتبارات الأيديولوجية" .

ويضيف أن "بكين لم تكن سبب عزلة طهران، بل أحد المنافذ القليلة التي أبقت الاقتصاد الإيراني قادرًا على الاستمرار، في وقت انسحبت فيه معظم الأسواق تحت ضغط العقوبات الغربية".

ويتابع الجفا أن" الصين، في نهاية المطاف، تتحرك وفق مصالحها الإستراتيجية حتى في علاقاتها مع حلفائها، وهو ما يجعلها تبحث عن تأمين احتياجاتها من الطاقة بأفضل الشروط الممكنة، من دون أن يعني ذلك بالضرورة استغلالًا سياسيًّا مباشرًا لإيران".

ويشير إلى أن" العلاقة بين الطرفين أقرب إلى توازن اضطراري، إذ تحتاج بكين إلى استقرار الإمدادات، وتحتاج طهران إلى سوق يضمن استمرار التصدير، مؤكدًا أن هذا التداخل في المصالح هو ما يحكم طبيعة التعاون القائم، وليس منطق الهيمنة أو التبعية كما يُصوَّر أحيانًا" . 

أخبار ذات صلة

خسائر إيران من الحصار

تقويض "أسطول الظل".. خطة أمريكية لتشديد الحصار على إيران

ربح صيني وخسارة إيرانية

تكشف المعطيات أن العلاقة بين الصين وإيران في زمن الحرب لم تعد علاقة دعم بقدر ما أصبحت علاقة مصالح غير متكافئة.

فبينما تخسر طهران تنوع أسواقها وتدخل في اقتصاد قائم على الخصومات والالتفاف على العقوبات، تحصل بكين على نفط مستقر ومنخفض الكلفة، وتوسّع قدرتها على التأثير في تدفقات الطاقة.

وبينما ترى الصين في هذه المعادلة إدارة ذكية للمصالح، تجد إيران نفسها في موقع أضعف، إذ تتحول مواردها تدريجيًّا من أداة سيادية إلى ورقة تُدار ضمن حسابات الآخرين.

أخبار ذات صلة

مضيق هرمز

اليوان الصيني "نفطاً".. إيران تستغل تآكل "البترودولار" في هرمز

 


 

logo
تابعونا على
جميع الحقوق محفوظة © 2026 شركة إرم ميديا - Erem Media FZ LLC