مع اتساع رقعة الحرب وتراجع مؤسسات الدولة الإيرانية التقليدية، تتكشف معادلة داخلية أكثر تعقيداً، فالصراع لم يعد فقط بين إيران وخصومها، بل أصبح عاملاً يعيد توزيع القوة داخل النظام نفسه.
وبينما تتحمل الدولة والمجتمع كلفة الاستنزاف، تتعزز مكانة الحرس الثوري بوصفه المستفيد الأكبر من استمرار المواجهة.
تشير تقارير حديثة إلى أن الحرس الثوري لم يعد مجرد قوة عسكرية، بل تحوّل إلى "دولة داخل الدولة" .
فقد أوضح تقرير نشرته صحيفة "وول ستريت جورنال" أن شبكات الحرس الاقتصادية والسياسية تشكل نظاماً متكاملاً من "المحسوبيات"، يضمن ولاء النخب عبر الوظائف والامتيازات والموارد، ويمتد إلى قطاعات النفط والبناء والخدمات؛ ما يمنحه نفوذاً يتجاوز المؤسسات الرسمية.
وفي السياق نفسه، تؤكد تقارير تحليلية لمجلس العلاقات الخارجية أن الحرس الثوري أصبح إحدى أكثر المؤسسات تأثيراً في السياسة والاقتصاد معاً، حيث يجمع بين القوة العسكرية والنفوذ الاقتصادي، ويعمل خارج رقابة الحكومة المنتخبة.
تُظهر دراسات مراكز الأبحاث أن الحرس الثوري يسيطر على جزء كبير من الاقتصاد الإيراني. فوفق تقديرات منشورة في تحليلات مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية، أصبح الحرس "المتحكم الأكثر نفوذاً في القطاعات الاقتصادية الرئيسية"، من البنية التحتية إلى الصناعة والطاقة.
كما تشير تقديرات بحثية أخرى إلى أن شبكات الحرس تدير نشاطاً اقتصادياً يُقدّر بين 30 و50 مليار دولار سنوياً، يشمل النفط والغاز والموانئ والاتصالات .
هذا النفوذ لم يتراجع مع الحرب، بل توسَّع، نتيجة انسحاب الشركات الأجنبية وتراجع القطاع الخاص؛ ما ترك فراغاً ملأته المؤسسات المرتبطة بالحرس.
أخطر مظاهر هذا التحول يظهر في قطاع النفط. فبحسب تقارير دولية، أصبح جزءٌ كبيرٌ من تجارة النفط الإيراني يُدار عبر شبكات غير رسمية مرتبطة بالحرس، بما في ذلك ما يُعرف بـ"أسطول الظل" ، الذي يُستخدم للالتفاف على العقوبات.
وتشير تقارير صحفية غربية، من بينها تقرير لمجلة التايمز، إلى أن الحرس الثوري يلعب دوراً مركزياً في إدارة هذه العمليات، مستفيداً من العقوبات لاحتكار قنوات التصدير غير الرسمية وتحقيق أرباح ضخمة خارج الموازنة العامة.
وفي المقابل، تخسر الدولة الإيرانية جزءاً مهماً من عائداتها؛ ما ينعكس مباشرة على الخدمات العامة ومستوى المعيشة.
بالتوازي مع التمدد الاقتصادي، تتعزز القبضة الأمنية للحرس داخل البلاد. فقد أظهرت تقارير حديثة أن الحرس الثوري وسّع سيطرته على مفاصل الدولة، بما في ذلك تعطيل قرارات حكومية والتدخل في التعيينات السياسية؛ ما أدى إلى تهميش المؤسسات المدنية.
وتشير تحليلات لصحيفة "نيويورك تايمز"، إلى أن التيار المتشدد المدعوم من الحرس بات يهيمن على القرار السياسي، في ظل تراجع دور الحكومة وغياب التوازن داخل النظام .
وهذا التحوّل يعني أن الحرب لا تُدار فقط في الخارج، بل تُستخدم أيضاً لإعادة ترتيب الداخل، عبر توسيع دور الأجهزة الأمنية على حساب الدولة.
في هذا السياق، يقول الباحث الاقتصادي أيهم أسد: إن "الحروب في الأنظمة المغلقة لا تُنتج فقط خسائر خارجية، بل تعيد تشكيل بنية السلطة داخلياً، وغالباً لصالح المؤسسات الأكثر تسليحاً وتنظيماً" .
ويضيف أن "ما يحدث في إيران اليوم هو انتقال تدريجي من نموذج الدولة إلى نموذج الشبكات، حيث تتركز القوة الاقتصادية والأمنية في يد الحرس الثوري".
ويتابع أسد أن" استمرار الحرب يمنح هذه المؤسسات مبرراً دائماً لتوسيع نفوذها، سواء عبر السيطرة على الموارد أو عبر إدارة الاقتصاد الموازي، وهو ما يخلق حالة من الاعتماد المتزايد عليها داخل النظام نفسه".
ويشير أسد إلى أن" المفارقة أن الدولة تضعف كلما طال أمد الحرب، بينما تتماسك شبكات القوة التي يفترض أنها تحميها".
وأضاف أن" الخاسر الحقيقي هو المجتمع الإيراني، الذي يتحمل كلفة مزدوجة: تدهور اقتصادي داخلي واستنزاف خارجي، في وقت لا تنعكس فيه الموارد المتاحة على تحسين مستوى المعيشة".
وختم بالقول إن" استمرار هذا المسار قد يؤدي إلى نتيجة خطيرة: نظام قوي شكلياً، لكنه قائم على دولة ضعيفة ومجتمع منهك".
ما تكشفه هذه المعطيات هو أن الحرب في إيران لا تُنتج رابحاً وطنياً، بل تُنتج رابحين داخل النظام نفسه. فبينما تتآكل مؤسسات الدولة وتتراجع قدرتها على إدارة الاقتصاد، تتعزز شبكات الحرس الثوري التي تجمع بين المال والسلاح.
وبالمحصلة، يبدو أن الحرب التي تُرفع شعاراتها باسم "الدفاع عن الدولة" قد تكون في الواقع أحد العوامل التي تُعيد تشكيلها من الداخل، لصالح الحرس وجنرالاته وعلى حساب الدولة والمجتمع الإيراني.