تواجه إيران واحدة من أخطر أزماتها الاقتصادية في تاريخها الحديث، مع تصاعد تداعيات الحصار البحري المفروض على مضيق هرمز، والذي يهدد بخنق شرايين التجارة والطاقة ودفع الاقتصاد الإيراني إلى حافة الانهيار الكامل.
وبحسب تقرير اقتصادي وتحليلات أمنية، فإن الجمع بين الحرب الأخيرة والقيود البحرية المتصاعدة فاقم بشكل حاد من هشاشة الاقتصاد الإيراني، الذي كان يعاني أساساً من أزمات بنيوية ممتدة، تشمل العقوبات الدولية واختلالات الطاقة والتضخم المرتفع.
تشير بيانات وتحليلات مستقلة نشرها مياد مالكي، وهو زميل بارز في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات إلى أن الاقتصاد الإيراني كان يعيش بالفعل حالة "شلل تدريجي" قبل التصعيد العسكري الأخير، نتيجة عقود من العقوبات وسوء الإدارة الداخلية، ما أدى إلى اضطراب سلاسل الإنتاج والتجارة وارتفاع معدلات الركود التضخمي.
كما انعكست أزمة الطاقة بشكل مباشر على قطاعات حيوية مثل الصلب والأسمنت والبتروكيماويات، في وقت شهدت فيه الصادرات غير النفطية تراجعاً حاداً، وانكماشاً في احتياطيات النقد الأجنبي.
ومع اندلاع الحرب الأخيرة وتزايد التوترات، لجأت إيران إلى فرض قيود فعلية على حركة الملاحة في مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20% من تجارة الطاقة العالمية.
وردت الولايات المتحدة بإجراءات مضادة شملت عمليات تفتيش وفرض قيود بحرية مشددة، في محاولة للضغط على طهران لإعادة فتح الممر، ما حول المضيق إلى نقطة اشتباك اقتصادي وعسكري مفتوح.
وتشير تقديرات إلى أن الحصار البحري الأمريكي قد يفرض خسائر يومية على الاقتصاد الإيراني تصل إلى نحو 435 مليون دولار، بإجمالي شهري يقترب من 13 مليار دولار.
كما يعتمد الاقتصاد الإيراني بشكل كبير على النفط والغاز، اللذين يمثلان نحو 80% من عائدات التصدير الحكومية. ومع تعطيل حركة الشحن، تتعرض هذه المنظومة لضربة مباشرة، خاصة أن منشآت مثل جزيرة خارك تمر عبرها النسبة الأكبر من صادرات النفط الخام.
تشير البيانات إلى أن الاقتصاد الإيراني يتكبد خسائر يومية كبيرة تُقدّر بنحو 139 مليون دولار من صادرات النفط، و54 مليون دولار من البتروكيماويات، و79 مليون دولار من السلع غير النفطية، وهو ما يرفع إجمالي الخسائر اليومية إلى أكثر من 276 مليون دولار من الإيرادات التجارية.
الأخطر في المشهد الاقتصادي الإيراني هو أزمة التخزين النفطي؛ إذ تشير التقديرات إلى أن لدى إيران قدرة فائضة محدودة لا تتجاوز 20 مليون برميل، في حين أن فائض الإنتاج اليومي قد يصل إلى 1.5 مليون برميل.
وبحسب هذه الأرقام، فإن خزانات النفط قد تمتلئ بالكامل خلال 13 يومًا فقط، ما سيجبر طهران على وقف إنتاج بعض الحقول القديمة، وهو ما قد يؤدي إلى أضرار دائمة في المكامن النفطية.
وتحذر تقديرات من أن ذلك قد يتسبب في فقدان نحو 500 ألف برميل يوميًا من القدرة الإنتاجية المستقبلية، بما يعادل خسائر طويلة الأجل تُقدّر بنحو 15 مليار دولار سنويًا.
على الصعيد الداخلي، يواجه الاقتصاد الإيراني ضغوطاً غير مسبوقة، مع انهيار سعر صرف العملة إلى مستويات قياسية وبلوغ التضخم الغذائي أكثر من 100%.
وتشير البيانات إلى أن أسعار السلع الأساسية ارتفعت بين 30% و50%، بينما فقد الريال جزءاً كبيراً من قيمته، ما أدى إلى تفاقم الأزمة المعيشية داخل البلاد.
كما تفيد تقارير بأن قنوات غير رسمية خارج الحدود باتت تؤثر على سعر الصرف، في ظل ضعف السيطرة المركزية على تدفقات العملة الأجنبية.
وفي ظل هذا الانهيار الاقتصادي، بدأت تظهر انقسامات داخل المؤسسة السياسية الإيرانية، مع دعوات إلى إعادة تقييم السياسات الخارجية، بما في ذلك مقترحات تربط تخفيف العقوبات بإعادة فتح مضيق هرمز وتقييد البرنامج النووي.
ونقل عن مسؤولين سابقين واقتصاديين أن استمرار التصعيد قد يؤدي إلى خسائر بشرية واقتصادية أعمق، في حين يرى آخرون داخل النظام أن الصراع الحالي يرتبط ببقاء الدولة أكثر من اعتبارات اقتصادية بحتة.
ورغم حجم الضغوط الاقتصادية، يشير محللون إلى أن النظام الإيراني قد لا يتأثر مباشرة بالمنطق الاقتصادي التقليدي، نظراً لطبيعة الصراع التي تُصوَّر على أنها وجودية.
وتقول تقديرات بحثية إن "استمرار الصراع قد يبدو غير قابل للاستدامة اقتصادياً، لكنه قد يستمر سياسياً إذا اعتُبر مرتبطاً ببقاء النظام".
تضع هذه المعطيات إيران أمام معادلة شديدة التعقيد: اقتصاد يقترب من الشلل، وحصار بحري يهدد شرايين الطاقة، وانقسامات داخلية تتسع تدريجياً، في وقت يتقلص فيه هامش المناورة السياسية والاقتصادية يوماً بعد يوم.