logo
العالم

صمود إيران الجغرافي.. جبال وشواطئ تحول دون "الضربة القاضية"

مضيق هرمزالمصدر: رويترز

أكدت مجلة "فورين بوليسي" الأمريكية أن مسار الحرب الدائرة مع إيران لم يعد يُحسم بتفوق التكنولوجيا العسكرية أو الضربات الجوية، بل بات يتشكل إلى حد كبير بفعل عامل أكثر ثباتًا وتأثيرًا. "الجغرافيا"، هي التي تمنح طهران قدرة استثنائية على الصمود وفرض كلفة ممتدة على خصومها.

ورغم التفوق الواضح للولايات المتحدة وإسرائيل في مجالات القوة الجوية والاستخبارات والقدرات الهجومية بعيدة المدى، تشير المجلة إلى أن هذه الأفضلية لا تكفي لحسم الصراع. فإيران، بخلاف مسارح عمليات أخرى في المنطقة، ليست هدفًا يمكن إخضاعه عبر القصف وحده، إذ تفرض طبيعة أراضيها معادلة مختلفة تُقيد فاعلية القوة العسكرية التقليدية.

أخبار ذات علاقة

 ناقلات نفط متوقفة في الخليج بعد غلق مضيق هرمز

الصفقة المنتظرة.. سيناريوهات عودة مضيق هرمز للملاحة الآمنة

وتوضح "فورين بوليسي" أن الإستراتيجية الإيرانية الحالية، القائمة على الاستنزاف وإطالة أمد الحرب، تعكس واقعها الجغرافي أكثر مما تعكس خيارًا تكتيكيًّا. فالدولة تمتد على مساحة شاسعة، وتضم عمقًا داخليًّا واسعًا وسلاسل جبلية معقدة؛ ما يمنحها هامش مناورة لا يتوافر لدول أخرى في المنطقة.

وتبرز سلاسل جبال زاغروس والبرز، إضافة إلى الهضبة الإيرانية الممتدة بينهما، كحواجز طبيعية تعرقل أي محاولة لغزو بري واسع النطاق. تاريخيًّا، شكلت هذه التضاريس عائقًا أمام جيوش غازية، من الحملات الرومانية القديمة إلى الحرب العراقية الإيرانية في ثمانينيات القرن الماضي، حيث أعاقت الجغرافيا التقدم العسكري وأطالت أمد الصراع.

وينعكس هذا الواقع اليوم في الحسابات العسكرية الحديثة، إذ ترى المجلة أن أي عملية برية ضد إيران ستكون أكثر تعقيدًا وكلفة مقارنة بتجارب سابقة في العراق أو أفغانستان. فإيران أكبر مساحةً وأكثر كثافة سكانية؛ ما يعني أن أي احتلال محتمل سيتطلب قوات ضخمة وخطوط إمداد طويلة والتزامًا ماليًّا وسياسيًّا غير مسبوق.

حدود القوة الجوية

في ظل هذه القيود، تركز العمليات العسكرية الحالية على الضربات الجوية والضغط البحري. لكن حتى في هذا الإطار، تبقى الجغرافيا عاملًا حاسمًا في تحديد فاعلية العمليات.

وتشير المجلة إلى أن المناطق الغربية والجنوبية الغربية من إيران، القريبة من الخليج العربي والبنية التحتية العسكرية الإقليمية، تبقى الأكثر عرضة للضربات المكثفة. في المقابل، تصبح العمليات أكثر تعقيدًا كلما اتجهت شرقًا نحو العمق الإيراني، حيث المسافات أطول، والبنية التحتية أقل، والتضاريس أكثر قسوة.

وتؤدي هذه العوامل إلى تقليص وتيرة الضربات واستدامتها في المناطق الداخلية؛ ما يمنح إيران فرصة لإعادة توزيع أصولها العسكرية، بما في ذلك المنشآت النووية، نحو مناطق أكثر عزلة وصعوبة في الاستهداف.

كما توفر الطبيعة الجبلية بيئة مناسبة للإخفاء والمناورة؛ ما يزيد صعوبة تتبع الأهداف وتدميرها بشكل حاسم، حتى مع التفوق التكنولوجي.

البحر كساحة حسم موازية

لكن تأثير الجغرافيا لا يقتصر على اليابسة، إذ تؤكد "فورين بوليسي" أن البحر يمثل بُعدًا حاسمًا في الصراع، خاصة في ظل وقوع إيران على أحد أهم الممرات البحرية في العالم: "مضيق هرمز".

هذا الممر الضيق، الذي لا يتجاوز عرضه في بعض النقاط 21 ميلًا بحريًّا، تمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط العالمية، إضافة إلى حصة كبيرة من تجارة الغاز الطبيعي المسال. وتكمن أهمية المضيق ليس فقط في حجمه، بل في محدودية البدائل المتاحة؛ ما يجعله نقطة اختناق إستراتيجية للاقتصاد العالمي.

وتشير المجلة إلى أن إيران لا تحتاج إلى السيطرة الكاملة على المضيق لتحقيق تأثير كبير، بل يكفيها خلق حالة من عدم اليقين عبر التهديد باستخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة والألغام البحرية والزوارق السريعة.

وقد أظهرت التطورات الأخيرة أن مجرد ارتفاع المخاطر في المضيق كفيل بدفع أسعار النفط إلى الارتفاع وزيادة تكاليف التأمين البحري وتعطيل سلاسل الإمداد، حتى دون إغلاق فعلي للممر.

ساحل طويل… ونفوذ ممتد

تمتد السواحل الإيرانية لنحو 1500 ميل على الخليج العربي وخليج عمان؛ ما يمنح طهران قدرة على توزيع أدوات الضغط على نطاق واسع، بدلًا من الاعتماد على نقطة واحدة يمكن استهدافها بسهولة.

وتوضح "فورين بوليسي" أن استهداف منشآت حيوية، مثل: جزيرة خرج، رغم أهميتها لتصدير النفط الإيراني، لا يكفي لتحييد النفوذ الإيراني في المضيق، إذ إن السيطرة الفعلية تنبع من الانتشار الجغرافي الواسع والقدرة على تهديد الملاحة من بضع نقاط.

وبهذا المعنى، تتحول الجغرافيا إلى عنصر قوة غير متماثل، يصعب تحييده عبر الضربات العسكرية التقليدية، ويجعل أي محاولة لفرض السيطرة الكاملة على المنطقة عملية معقدة ومكلفة.

اختناق مزدوج يوسع نطاق الحرب

يمتد تأثير الجغرافيا إلى ما هو أبعد من مضيق هرمز، ليشمل مضيق باب المندب، الذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن. وتشير المجلة إلى أن هذا الممر، الذي يمر عبره ما بين 10% و12% من التجارة العالمية، يمثل نقطة ضغط إضافية، خاصة في ظل الهجمات المتكررة من جماعة الحوثيين في اليمن.

وتكمن خطورة ”باب المندب“ في ضيقه الجغرافي وقلة البدائل المتاحة، إذ إن أي تعطيل مستمر للملاحة قد يدفع السفن إلى الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح؛ ما يضيف ما بين 10 و15 يومًا إلى زمن الرحلات ويرفع التكاليف بشكل كبير.

ويحول هذا الترابط بين المضائق البحرية الصراع إلى أزمة تتجاوز حدود المنطقة، حيث يمكن لأي اضطراب محلي أن يتحول سريعًا إلى صدمة عالمية في الطاقة والتجارة.

أخبار ذات علاقة

محطة نفطية في جزيرة خرج

ورقة الحسم.. هل تصبح "خرج" مفتاح إنهاء الحرب الإيرانية؟

حرب تُحسم بالمسارات لا بالضربات

وخلصت "فورين بوليسي" إلى أن مركز الثقل في الحرب لم يعد يقتصر على ساحة القتال التقليدية، بل انتقل إلى الممرات البحرية وشبكات الإمداد وتدفقات الطاقة. وفي هذا السياق، قد يكون التحكم في نقاط الاختناق البحرية أكثر تأثيرًا من السيطرة على الأرض أو المجال الجوي.

ومع استمرار الحرب، تتزايد أهمية هذه العوامل الهيكلية التي لا يمكن تغييرها أو تجاوزها بسهولة. فالتكنولوجيا قد تمنح تفوقًا تكتيكيًّا، لكنها لا تستطيع إزالة الجبال أو تغيير الجغرافيا.

وفي هذا الإطار، ترى المجلة أن إيران تمتلك ما يمكن وصفه بـ"جنرالين غير مرئيين": الجغرافيا، التي توفر لها الحماية والعمق الإستراتيجي، والقدرة على التحمل، التي تتيح لها خوض حرب طويلة الأمد.

وبينما تواصل القوى الكبرى الاعتماد على التفوق العسكري، يبدو أن شكل الحرب ونتائجها النهائية سيتحددان إلى حد كبير بفعل هذه العوامل الثابتة، التي تعيد التذكير بأن الجغرافيا، رغم كل التطورات التكنولوجية، لا تزال لاعبًا رئيسيًّا في حسم النزاعات الحديثة.

logo
تابعونا على
جميع الحقوق محفوظة © 2026 شركة إرم ميديا - Erem Media FZ LLC