وزير الخارجية المصري: نجري محادثات مع إيران لوقف الهجمات على دول الخليج
حين أطلقت الولايات المتحدة وإسرائيل عملية "الغضب الملحمي" في 28 فبراير شباط الماضي، لم تكن العواصم الأوروبية في دائرة الاستهداف المباشر.
لكن، بعد أقل من أربعة أسابيع، تقول الأرقام الاقتصادية شيئاً مختلفاً: سعر برميل النفط قفز 70% في شهر واحد، ومؤشرات نشاط الأعمال في منطقة اليورو تراجعت إلى أدنى مستوياتها منذ عشرة أشهر، وكلمة واحدة باتت تتردد في غرف صنع القرار الاقتصادي من فرانكفورت لباريس: ركود تضخمي.
مؤشر مديري المشتريات (PMI) لمنطقة اليورو الصادر عن S&P Global الثلاثاء 24 مارس جاء بأسوأ ما كان يُخشى: 50.5 نقطة مقارنة بـ51.9 في فبراير، أضعف قراءة منذ عشرة أشهر، وعلى بُعد خطوة من عتبة الانكماش.
لكن الأرقام المقلقة حقاً ليست في الرقم الكلي بل في التفاصيل، فتضخم تكاليف المدخلات قفز إلى أعلى مستوياته منذ فبراير 2023، وتأخيرات التوريد بلغت أقصاها منذ أغسطس آب 2022، وتوقعات الإنتاج المستقبلية تراجعت بأقوى وتيرة منذ الحرب الروسية الأوكرانية في 2022.
كريس ويليامسون، كبير الاقتصاديين في (إس آند بي غلوبال ماركت إنتيليجنس)، قال: "مؤشر PMI يُطلق صفارات إنذار الركود التضخمي، إذ تُفضي الحرب في الشرق الأوسط إلى ارتفاع حاد في الأسعار مع خنق النمو في الوقت ذاته".
وأضاف أن "تراجع توقعات الإنتاج المستقبلية هو الأشد حدةً منذ الحرب الروسية الأوكرانية".
البيانات تُشير إلى أن نمو الناتج المحلي الإجمالي لمنطقة اليورو في الربع الأول قد لا يتجاوز 0.1%، وفق اقتصاديي البنك الأمريكي (سيتي) الذين وصفوا هذه المؤشرات بأنها "دليل دامغ على أن الصراع الإيراني يُولّد صدمة ركود تضخمي جديدة".
الصورة الألمانية تبدو في الظاهر مطمئنة: المؤشر الكلي عند 51.9 نقطة، ومؤشر التصنيع عند 51.7 نقطة وهو أعلى مستوى منذ 45 شهراً، متجاوزاً توقعات المحللين بفارق واسع.
لكن الاقتصادي فيل سميث من (إس آند بي غلوبال) يُفكّك هذه الصورة البراقة بوضوح: الانتعاش الصناعي الألماني مصنوع من الخوف لا من الطلب الحقيقي.
الشركات تُسارع في شراء المدخلات وتكديس المخزونات استعداداً لانقطاعات الإمداد المتوقعة، وهو ما يضخ نشاطاً مؤقتاً في الأرقام دون أن يعكس توسعاً حقيقياً.
الدليل الأوضح على هشاشة هذا الانتعاش يأتي من قطاع الخدمات الألماني الذي يُعاني على النقيض التام: تراجع حاد في الطلبيات الجديدة، وارتفاع متسارع في التكاليف، وعملاء يُقلّصون إنفاقهم أمام حالة عدم اليقين المتصاعدة.
وعلى المدى المتوسط يُنبّه اقتصاديو (إس آند بي) من أن ضغوط تكاليف المدخلات الصناعية وصلت إلى أعلى مستوياتها منذ نهاية 2022، مما يُنذر بموجة ارتفاع في الأسعار لم تنعكس بعد على المستهلك النهائي.
الانتعاش الصناعي الألماني محكوم عليه بالتراجع حين تمتلئ المستودعات أو حين تُرفع الطلبيات الاحترازية.
الوضع الفرنسي أكثر قتامة ويفتقر إلى المصدات التي تملكها ألمانيا. مؤشر PMI الكلي تراجع إلى 48.3 نقطة في مارس، وهو أدنى مستوى منذ خمسة أشهر وعودة واضحة إلى منطقة الانكماش.
القطاعان الصناعي والخدمي يتراجعان معاً، والطلبيات الجديدة تنكمش بأسرع وتيرة منذ يوليو تموز 2025، والطلب الخارجي على البضائع والخدمات الفرنسية تراجع بأشد حدة منذ خمسة عشر شهراً.
جو هايز من (إس آند بي غلوبال ماركت إنتيليجنس) يصف المشهد الفرنسي بأن "التعافي الناشئ يبدو معلقاً"، والأخطر في التشخيص الفرنسي هو ما يصفه خبراء المؤشر بـ"ضغط الهامش": تكاليف المدخلات ارتفعت إلى أعلى مستوياتها منذ نوفمبر تشرين الثاني 2023، لكن أسعار البيع رفعت بالكاد؛ لأن الطلب الراكد قبل الحرب يجعل الشركات عاجزة عن تمرير الأعباء للمستهلكين.
ويشير الخبراء إلى أن تآكل هوامش الربح في الشركات الفرنسية قد يُشكّل نقطة ضعف كبيرة في نتائج الأعمال خلال الفصول المقبلة.
الهيئة الأكثر تضرراً من هذا المزيج المتناقض ليست شركة أو قطاعاً بل البنك المركزي الأوروبي (BCE)، الذي أصبح أمامه اختياران كلاهما مؤلم: رفع الفائدة لكبح تضخم يأتي من ارتفاع أسعار الطاقة لا من فرط الطلب، فيُعمّق بذلك الركود، أو خفض الفائدة لدعم النمو المتباطئ، فيُطلق التضخم من عقاله.
ويليامسون يلخص المعضلة: "البنك المركزي الأوروبي لم يعد في وضع مريح. خطر الركود التضخمي يتصاعد إن بقيت أسعار الطاقة مرتفعة وامتدت اضطرابات سلاسل الإمداد".
في السيناريو المتشائم لاقتصاديي البنك المركزي الأوروبي ذاته، قد لا يتجاوز نمو منطقة اليورو 0.4% طوال عام 2026، بعد أن كانت التوقعات الأساسية عند 0.9%.
أوروبا لم تدخل الحرب، لكن الحرب دخلت أوروبا من باب فاتورة الطاقة وتأخيرات الشحن وتذبذب سلاسل الإمداد. والفارق عن أزمة 2022 أن الاقتصادات الأوروبية تدخل هذه الأزمة وهي أضعف احتياطاً وأقل قدرة على الصمود.