logo
العالم

حياد مربح أم انسحاب مكلف.. أوروبا بين خطاب السلام ومصلحة البقاء في حرب إيران

زعماء دول في الاتحاد الأوروبيالمصدر: (أ ف ب)- أرشيفية

في الوقت الذي يعاني فيه العالم من صدمة نفطية جراء الحرب الإيرانية الأمريكية، وإغلاق مضيق هرمز، تجد أوروبا نفسها أمام سؤال وجودي لا تملك له إجابة واحدة: هل تقف مع واشنطن فتخسر مبادئها، أم تتمسك بحيادها فتخسر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ومعه أوكرانيا؟

ويرى محللون أن ما يجري على ضفتي الأطلسي اليوم ليس مجرد خلاف دبلوماسي، بل هو أعمق أزمة هوية تعيشها أوروبا منذ عقود.

أخبار ذات علاقة

قادة الاتحاد الأوروبي المجتمعين في بروكسل

مسؤول غربي: قادة أوروبا "مشلولون" لا يملكون سوى الكلمات إزاء الحرب

الشارع يرفض.. والحكومات تناور

لم يكن الموقف الشعبي ملتبسًا، ففي لندن وبرلين ومدريد ولشبونة، خرج الآلاف رافعين لافتات تطالب بوقف إطلاق النار ورافضين أي تورط غربي، لكن الحكومات كانت تلعب لعبة مختلفة تمامًا خلف الكواليس.

فبحسب ما كشفه نيكولاس فينوكور في مجلة "بوليتيكو"، حرص الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في اتصالين مع ترامب على طمأنته بأن "فرنسا ستساعد في تطهير المضيق حين تسمح الظروف"، بينما قال أحد الدبلوماسيين بصراحة: "الأمر يتعلق بإدارة هذا الرجل".

وحين اجتمع وزراء خارجية الـ27 في بروكسل في 16 مارس/آذار، أوضحت مسؤولة السياسة الخارجية الأوروبية، كايا كالاس، أنه لا توجد "أي رغبة" لدى الدول الأعضاء في توسيع مهمة عملية "أسبيدس" البحرية نحو هرمز، وفق ما رصده موقع "توت لوروب".

 وفي اليوم التالي مباشرة، انقلبت اللهجة جزئيًا؛ إذ أصدرت فرنسا وبريطانيا وألمانيا وإيطاليا وهولندا واليابان وكندا بيانًا مشتركًا يُعلن "الاستعداد للمساهمة في جهود تأمين الملاحة عبر المضيق"، دون أي التزام عسكري فوري.

تهديد الصواريخ.. دراما أم حقيقة؟

وفي خضم هذا الجدل، أعلن رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، إيال زامير، أن "برلين وباريس وروما تقع جميعها في منطقة التهديد المباشر" للصواريخ الإيرانية، في محاولة واضحة لاستنهاض الحلفاء الأوروبيين. 

لكن الجنرال الفرنسي فرنسوا شوفانسي رفض هذا التوصيف في مداخلة على قناة "إل سي إي"، واصفًا إياه بأنه "تضخيم للوضع وربما بحث عن حلفاء جدد في هذا النزاع"، مستندًا إلى أن الصاروخين الإيرانيين اللذين أُطلقا نحو قاعدة دييغو غارسيا لم يبلغا هدفهما، أحدهما سقط في البحر والآخر أُسقط، مضيفًا أن "الخشية من أن يضرب صاروخ إيراني أوروبا قائمة منذ الثمانينات، غير أن التهديد لم يُثبَت قط".

الفاتورة الاقتصادية.. أوروبا لا تستطيع تحمّل 2022 مجددًا

وما يزيد أوروبا هشاشةً أن جعبتها المالية باتت شبه فارغة، فحين قفز سعر الغاز الأوروبي 35% في صبيحة 19 مارس/آذار إثر استهداف إيران لمجمع راس لفان القطري، وارتفعت أسعار النفط أكثر من 10%، وجدت الحكومات نفسها مكبّلة. 

وحذّرت رئيسة البنك المركزي الأوروبي، كريستين لاغارد، من ضرورة الحفاظ على "صحة المالية العامة"، فيما أكدت ميشالا مارسوسن، كبيرة الاقتصاديين في سوسيته جينرال، لصحيفة ليزيكو الفرنسية أن "هامش المناورة ضيق، وعلى الحكومات تجنّب حماية من لا يحتاج إليها".

أما جان فرنسوا أوفرار من مورجان ستالي، فقدّر أن حجم الدعم العام في منطقة اليورو لن يتجاوز 0.3% من الناتج المحلي، أي أقل بكثير مما أُنفق في أزمة 2022.

ترامب يستخدم أوكرانيا ورقة ضغط

ما يزيد المشهد تعقيدًا أن الحياد الأوروبي ليس مجانيًا، حيث كشفت مجلة بوليتيكو عن مخاوف دبلوماسيين أوروبيين من أن ترامب قد "ينتقم من الحلفاء بقطع ما تبقى من الدعم لكييف". 

وقال أحدهم في ظل الحرب القائمة "أوكرانيا تحتاج صواريخ باتريوت التي تطلق هناك بشدة"، والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي نفسه أبدى قلقه لشبكة "بي بي سي" بالقول إن لديه "شعورًا سيئًا جدًا" إزاء تداعيات الحرب على بلاده. 

أخبار ذات علاقة

إيمانويل ماكرون متحدثاً في المؤتمر الصحفي

ماكرون يكشف ملامح مهمة تأمين الملاحة في هرمز وسط حرب إيران

خبير: أوروبا في مقعد رد الفعل

ويرى البروفيسور سيرجيو ميشكويو من جامعة بابيش-بويلاي الرومانية أن الأزمة تكشف "التوتر الدائم بين طموح الاتحاد الأوروبي للاستقلالية الاستراتيجية وتبعيته البنيوية لمنظومة الأمن الأمريكية"، محذرًا من أن الاتحاد يخاطر بالبقاء "في موضع رد الفعل لا صانع الأجندة" في ملفات الشرق الأوسط.

فالحرب على إيران ليست فقط أزمة في المنطقة؛ بل مرآة تكشف ما آلت إليه أوروبا: قوة اقتصادية كبرى تعجز عن حماية مصالحها دون إذن من حليف بات يشكّك في قيمة الحلف ذاته، وفق تعبيره.

logo
تابعونا على
جميع الحقوق محفوظة © 2026 شركة إرم ميديا - Erem Media FZ LLC