تشهد عاصمة جمهورية أفريقيا الوسطى، بانغي، تصاعدًا في التنافس بين فرنسا وروسيا، في ما يشبه حرب نفوذ غير معلنة.
فبعد استقبال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين نظيره المركز أفريقي فوستين-أرشانج تواديرا، سارع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى إرسال وزير خارجيته إلى بانغي، في خطوة تعكس احتدام الصراع على التأثير في هذا البلد الاستراتيجي.
ويكشف هذا التحرك المتبادل عن مرحلة جديدة من التنافس الجيوسياسي بين القوتين، لا سيما في أفريقيا حيث تتقاطع المصالح الأمنية والاقتصادية.
ووفق تقرير لمجلة "جون أفريك"، زار وزير الخارجية الفرنسي جان-نويل بارتو بانغي في الـ12 والـ13 من شهر آذار/مارس الجاري، وهي الأولى منذ 8 سنوات.
وتهدف الزيارة إلى إعادة تعزيز العلاقات الفرنسية مع بانغي، بعد أن حاول الرئيس تواديرا خلال السنوات الماضية تنويع شراكات بلاده بين الشرق والغرب.
وتجدر الإشارة إلى أنه رغم الأحداث الإقليمية مثل النزاع الأخير في إيران ووفاة عاملة إنسانية فرنسية في الكونغو الديمقراطية، فإن التحديات الأكبر جاءت من محاولات موسكو التأثير على جدول أعمال الزيارة، من خلال وكلاء النفوذ في العاصمة المركز أفريقية.
وبحسب التقرير، فإنه في الـ3 من شهر آذار/مارس الجاري تم توقيف فرانسوا زامباريني، عامل إنساني فرنسي يعمل مع منظمة أطباء بلا حدود، في منطقة زيميو على يد مرتزقة روس، بتهم تتعلق بالأنشطة "التخريبية".
وتبع ذلك حملة إعلامية مكثفة من مواقع ووسائل موالية لموسكو، بهدف التشويش على الدور الفرنسي في بانغي، حيث أُفرج عن زامباريني في الـ11 من شهر آذار/مارس الجاري، قبيل وصول الوزير الفرنسي، وهو ما اعتبره محللون دليلاً على أن الهدف كان التأثير على الزيارة أكثر من العقاب.
وسبق أن استُهدف دبلوماسي فرنسي آخر بنفس النهج، الأمر الذي يعكس استراتيجية موسكو في استخدام الجنود السابقين ضمن مجموعة فاغنر للضغط على السياسة المركز أفريقية، وإظهار فرنسا كمصدر محتمل للاضطرابات.
تستفيد فرنسا من رغبة الرئيس تواديرا في إعادة التوازن لعلاقات بلاده، فقد انعكس ذلك في زيارته لباريس في شهر نيسان/أبريل من عام 2024، التي أسفرت عن خطة عمل شاملة تشمل دعمًا ماليًا ومشاريع إنمائية في الصحة والعلوم، فضلاً عن تعاون تقني مستمر.
كما منحت باريس بانغي، أخيرًا، قرضًا بقيمة 25 مليون يورو، ما يعزز قدرتها على تقديم دعم منتظم ومستدام، بما في ذلك عبر صندوق النقد الدولي.
ويؤكد المحللون أن الصراع بين باريس وموسكو في بانغي يظل خفيًا لكنه متواصل، يجمع بين النفوذ السياسي والإعلامي والمالي، فيما تحرص باريس على الظهور كشريك مستقر وموثوق في قلب القارة الأفريقية.
وخلص تقرير المجلة الفرنسية إلى القول إن فرنسا تسعى عبر هذه الاستراتيجية إلى إعادة نفوذها في منطقة أفريقيا الوسطى، بما يضمن مصالحها الاقتصادية والأمنية، خصوصًا في ظل التغيرات الجيوسياسية الأخيرة.