تشهد الحرب الروسية الأوكرانية أرقامًا غير مسبوقة من حيث الخسائر البشرية، جعلتها تفوق ما تكبدته قوى كبرى في نزاعات استمرت لعقود، وهو ما يطرح تساؤلات واسعة حول أسباب هذا الارتفاع الحاد في أعداد القتلى.
وفقًا لتقارير صادرة عن مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية «CSIS»، بلغت الخسائر الروسية منذ فبراير شباط 2022 وحتى ديسمبر كانون الأول 2025 نحو 1.2 مليون شخص بين قتيل وجريح ومفقود، من بينهم ما يصل إلى 325 ألف قتيل، وقدرت الخسائر الأوكرانية بين 500 و600 ألف شخص، بينهم نحو 140 ألف قتيل.
وتشير التوقعات إلى أن إجمالي الخسائر المشتركة قد يصل إلى مليوني شخص بحلول ربيع 2026، في حال استمرار وتيرة القتال بالمعدلات الحالية.
وتُعد التكتيكات العسكرية الحديثة أحد أبرز العوامل المؤثرة في ارتفاع أعداد الضحايا، وعلى رأسها الاستخدام الواسع للطائرات المسيرة، المسؤولة عن نحو 70% من الخسائر الروسية، في ظل اعتماد أوكرانيا على الإنتاج الضخم لهذه الطائرات وتحويل ساحة المعركة إلى بيئة مراقبة ومكشوفة.
وشهدت السنوات الأخيرة إدخالًا مكثفًا لطائرات FPV، التي تتيح توجيه الضربات بدقة عالية نحو أهداف محددة، بالإضافة إلى القصف المدفعي المكثف الذي لعب دورا رئيسيا في زيادة الخسائر، إذ أطلقت القوات الروسية في بعض الفترات أكثر من 60 ألف قذيفة في اليوم.
وساهمت الظروف القاسية لحرب الاستنزاف في تفاقم الخسائر البشرية، خاصة أن العمليات العسكرية اعتمدت على تقدم بطيء للغاية، تراوح في بعض الهجمات بين 15 و70 مترًا يوميًا.
وما زاد من صعوبة الموقف أن القوات تواجه صعوبات كبيرة في عمليات الإخلاء الطبي، حيث تراجعت نسبة الجرحى إلى القتلى مقارنة بحروب سابقة، نتيجة القصف المستمر وصعوبة الوصول إلى المصابين خلال ما يُعرف بالساعة الذهبية للعلاج.
ويرى خبراء أن الارتفاع غير المسبوق في أعداد القتلى في الحرب الروسية الأوكرانية يعود إلى مزيج معقد من التكتيكات العسكرية الحديثة، وعلى رأسها الطائرات المسيرة، إلى جانب أنماط قتال تقليدية قائمة على الاستنزاف.
وفي تصريحات لـ"إرم نيوز"، أكد الخبراء أن سوء التقدير في بدايات الحرب وطول أمدها والاعتماد على أسلحة تقليدية عالية الكلفة البشرية، جعلت هذا الصراع يتفوق من حيث عدد القتلى على معظم الحروب المعاصرة، دون أن يحقق حسما عسكريا أو حتى سياسيا لأي من الطرفين.
الخبير العسكري، العميد نضال زهوي، أكد أن الارتفاع اللافت في أعداد القتلى في الحرب الروسية الأوكرانية لا يمكن تفسيره بسبب واحد فقط أو ربطه بعامل منفرد، سواء كانت الظروف القاسية أو التكتيكات العسكرية الحديثة.
وأضاف الخبير العسكري في تصريحات لـ"إرم نيوز" أن طبيعة القتال نفسها لعبت دورا حاسما، إذ يجري القتال وفق تكتيكات هجينة تمزج بين أساليب تقليدية تعود إلى الحربين العالميتين الأولى والثانية، مثل الخنادق والمواقع الثابتة، ووسائل تكنولوجية متقدمة.
وأشار إلى أن هذا المزج حوّل الخنادق، التي كانت تُعد سابقًا وسيلة للحماية، إلى أهداف شبه مكشوفة في ظل الانتشار الواسع للطائرات المسيرة، موضحًا أن المسيّرات الحديثة المزودة بأنظمة توجيه دقيقة قادرة على استهداف المقاتلين حتى داخل التحصينات، ما يقلل فرص النجاة بشكل كبير.
وأضاف العميد زهوي أن التقدم البري البطيء في مواجهة خطوط دفاع شديدة التحصين، إلى جانب كثافة نارية عالية دون تحقيق اختراقات حاسمة، جعل الحرب حرب استنزاف مفتوحة، وهذا من أكثر أنماط القتال كلفة من حيث الخسائر البشرية.
ولفت زهوي إلى أن ساحة المعركة باتت مكشوفة بالكامل بفعل الاستطلاع اللحظي الذي توفره الطائرات المسيرة، حيث يتم اكتشاف أي تحرك جماعي خلال دقائق واستهدافه فورًا سواء عبر المدفعية الدقيقة أو الضربات الجوية وهو ما تسبب في زيادة عدد القتلى.
وأضاف أن زج أعداد كبيرة من المقاتلين قليلي الخبرة نتيجة التعبئة الواسعة لدى الطرفين فاقم من حجم الخسائر، إذ ترتفع احتمالات الأخطاء القتالية في بيئة شديدة التعقيد.
وأكد زهوي أن غياب أفق واضح للحسم، واستمرار القتال لفترات طويلة دون نتائج حاسمة، يضاعف الضغط النفسي على الجنود، ويجعلهم أكثر عرضة للقتل أو الإصابة، ما يضيف بُعدا نفسيا خطيرا إلى أسباب ارتفاع أعداد الضحايا.
وفي الاتجاه ذاته، أكد المحلل السياسي الخبير في الشؤون الروسية، الدكتور سمير أيوب، أن أعداد القتلى في الحرب الأوكرانية بلغت مستويات غير مسبوقة، نتيجة الجمع بين تكتيكات قتال عالية الكلفة البشرية وطبيعة حرب طويلة الأمد.
وقال إن الخسائر الكبيرة خاصة في صفوف الجيش الأوكراني، تعود إلى أن المعارك تُدار في مناطق مكشوفة وعلى خطوط تماس مباشرة، مع غياب غطاء جوي فعال، وهو ما جعل القوات البرية عرضة للاستهداف المستمر.
وأشار الخبير في الشؤون الروسية إلى أن هذه الحرب شهدت استخداما واسعا للطائرات المسيرة من الجانبين، لكن تأثيرها كان أكبر على القوات الأوكرانية، في ظل التفوق الجوي الروسي وقدرته على توظيف هذه الوسائل في الاستطلاع والضرب الدقيق.
وبين أن الاعتماد الواسع على الأسلحة التقليدية، المعروفة بارتفاع كلفتها البشرية، أسهم في تضخيم أعداد الضحايا، خاصة مع محدودية استخدام الأسلحة الذكية الدقيقة.
وأشار أيوب إلى أن طول أمد الحرب واستمرارها دون حسم حولها إلى معركة استنزاف بشري، يُدفع فيها المقاتلون، لا سيما من قوات الاحتياط أو الأقل خبرة، إلى خطوط النار في ظروف قاسية، ما يرفع بشكل تلقائي حجم الخسائر.
وأضاف أن تركيز روسيا على الضربات الجوية والصاروخية بعيدة المدى، مقابل اعتماد أوكرانيا بشكل أكبر على قوات برية تتحرك في بيئة مكشوفة، خلق اختلالا في ميزان الخسائر البشرية، وأسهم في زيادة أعداد القتلى مقارنة بمعظم الحروب المعاصرة.