العالم

البروباغندا الإيرانية تتصدع.. ماذا كشفت الحرب عن طهران؟

ناقلات نفط في مضيق هرمزالمصدر: رويترز

لم ترفع الحرب الأخيرة مكانة إيران، بقدر ما كشفت حدودها. فطهران التي حاولت تقديم نفسها كقوة قادرة على التحكم بإيقاع المنطقة، ظهرت في تقديرات مؤسسات دولية وصحافة غربية كعامل اضطراب يرفع كلفة الطاقة والتجارة والتأمين، من دون أن يمتلك قدرة فعلية على ضبط النتائج أو التحكم بمسار الأسواق. 

وعلى عكس "البروباغندا" التي تروج لقوة إيران، وخاصة مع انطلاق الحرب الحالية، يتفق العديد من المراكز البحثية والخبراء على أن إيران لم تتحول إلى قوة عالمية كما يدّعي مريدوها، بل إلى عبء دولي مفتوح، تُدار مخاطره أكثر مما يُعترف له بنفوذ صاعد.

أخبار ذات صلة

قاليباف في البرلمان وسط هتافات أنصار "الحرس الثوري"

"صراع المعسكرات".. إيران بين مفاوضات معلقة وحرب بلا أفق

اضطراب لا نفوذ

تشير مدونة صندوق النقد الدولي إلى أن الحرب في الشرق الأوسط تضرب الاقتصاد العالمي عبر 3 قنوات رئيسية: أسعار الطاقة، وسلاسل الإمداد، والأسواق المالية، مع تفاوت كبير في التأثير بين الدول.

وتبدو هذه الخلاصة مهمة؛ لأنها لا تمنح إيران صورة اللاعب المتحكم، بل تضعها في موقع مصدر الصدمة؛ أي الطرف الذي يربك النظام الاقتصادي من دون أن يملك القدرة على إعادة تنظيمه. 

وفي الاتجاه نفسه، أوضحت مجموعة البنك الدولي أن أسعار النفط الخام ارتفعت بنحو 40% بين فبراير/شباط ومارس/آذار، وأن أسعار شحنات الغاز الطبيعي المسال إلى آسيا ارتفعت بنحو الثلثين، كما زادت أسعار الأسمدة النيتروجينية بنحو 50% في مارس/آذار.

وتعكس هذه الأرقام اتساع أثر الحرب، لكنها تكشف أيضًا هشاشة الدور الإيراني القائم على التأثير عبر التعطيل لا عبر القيادة. 

أخبار ذات صلة

 لوحة دوائر مطبوعة

اضطرابات سلاسل الإمداد ترفع أسعار رقائق الإلكترونيات عالمياً

هرمز يكشف المعادلة

في مضيق هرمز، يظهر الفارق بين القدرة على الإرباك والقدرة على التحكم. فقد نقلت "رويترز" أن أسعار النفط قفزت إلى أعلى مستوى في أسبوعين مع تعثر المحادثات الأمريكية - الإيرانية وبقاء الشحن عبر المضيق محدودًا، مشيرة إلى أن خام برنت بلغ 108.46 دولار للبرميل، وأن نحو 10 إلى 13 مليون برميل يوميًّا من النفط بقيت خارج الأسواق الدولية بسبب القيود والتعطيل.

لكن هذا لا يعني أن إيران فرضت نظامًا جديدًا للطاقة. فالتعطيل نفسه استدعى حصارًا أمريكيًّا وإجراءات مضادة، ورفع كلفة الشحن والتأمين على الجميع، بما في ذلك الدول القريبة من الأزمة.

ووفق "رويترز"، ارتفعت أقساط تأمين مخاطر الحرب على السفن العابرة للمنطقة، في مؤشر على أن أثر إيران يتحول سريعًا إلى عبء على التجارة، لا إلى ورقة نفوذ قابلة للإدارة والصرف. 

أخبار ذات صلة

 مايك والتز

واشنطن تدعو العالم لمواجهة القرصنة الإيرانية في هرمز

كلفة تنتشر عالمياً

لا تقف التداعيات عند النفط. فقد ذكرت "رويترز" أن تكاليف ناقلات النفط والغاز قفزت مع اتساع الحرب وتهديدات هرمز، وأن كلفة ناقلات النفط العملاقة من الشرق الأوسط إلى الصين تجاوزت 400 ألف دولار يوميًّا، فيما ارتفعت أسعار شحن الغاز الطبيعي المسال في الأطلسي والهادئ بأكثر من 40%.

كما حذَّر المجلس الأطلسي من أن الإغلاق المطوّل لمضيق هرمز يهدد بصدمة نفطية عالمية حادة، وأن السياسات المرتجلة، مثل: الدعم السريع أو سقوف الأسعار، قد تزيد الطلب وتعمّق النقص لاحقًا. وهذا يضع إيران، مرة أخرى، في خانة مصدر المخاطر لا صانع التوازن.

وفي هذا السياق، يرى الباحث والأكاديمي السوري أيهم أسد أن الحرب لم تمنح إيران موقعًا تفاوضيًّا أقوى بقدر ما عرّت طبيعة تأثيرها.

فطهران، وفق قراءته، لا تقدم نموذج قوة قادرة على إدارة أزمة دولية، بل نموذج دولة تستطيع تعطيل ممر أو رفع كلفة سوق أو تهديد إمدادات، ثم تترك الآخرين يتولون إدارة النتائج.

وهذا الفارق، برأيه، أساسي بين النفوذ الحقيقي والقدرة على الإرباك.

ويضيف أسد أن العبء الدولي لا يُقاس فقط بحجم الضرر الذي تسببه إيران، بل بحجم الجهد المطلوب لاحتواء هذا الضرر.

فكلما احتاجت القوى الكبرى إلى ترتيبات بحرية ومالية وطاقوية إضافية لمنع توسع الأزمة، تراجعت صورة إيران كلاعب إقليمي يمكن التفاهم معه، وتقدمت صورتها كملف أمني واقتصادي مكلف يجب ضبطه باستمرار.

عبء لا قوة صاعدة

وفقًا لمراكز بحثية؛ تكشف الحرب عن معادلة دقيقة، وهي أن إيران قادرة على رفع الكلفة، لكنها غير قادرة على التحكم بالسوق؛ وقادرة على تهديد الملاحة، لكنها غير قادرة على ضمان تدفق التجارة؛ بل وقادرة على خلق أزمة عالمية، لكنها لا تملك أدوات إنهائها بشروطها.

لهذا، يقول أسد، إن إيران بعد الحرب لن تكون قوة صاعدة بقدر ما هي مصدر اضطراب عالمي. فهي لا تفرض نظامًا جديدًا، بل تكشف قابلية النظام القائم للاهتزاز.

ومن هنا تصبح المشكلة الكبرى ليست في "قوة إيران"، بل في كلفة التعامل الدائم مع ضعفها العدواني؛ كدولة لا تستطيع قيادة الإقليم، لكنها قادرة على جعله أكثر اضطرابًا.

logo
تابعونا على
جميع الحقوق محفوظة © 2026 شركة إرم ميديا - Erem Media FZ LLC