بدأت محكمة في أنقرة، النظر بقضية تبذير أموال عامة، قدمتها النيابة العامة ضد عدد من كبار الموظفين في بلدية العاصمة الكبرى التي يديرها حزب الشعب الجمهوري المعارض، في أكبر تهديد لسمعة رئيس البلدية منصور يافاش.
وعقدت المحكمة أنقرة الجنائية العليا، خلال اليومين الماضيين، جلستين في القضية التي يحاكم فيها 14 متهماً حول وجود مخالفات في النفقات المتعلقة بالحفلات الموسيقية التي نظمتها بلدية أنقرة بين عامي 2021 و2024.
وتستند الاتهامات إلى تسبب المتهمين بخسائر نجمت عن مدفوعات لا تتوافق مع القيمة السوقية في تكاليف الحفلات الفنية، في 32 عملية شراء لخدمات الحفلات الموسيقية، وخسارة أكثر من 154 مليون ليرة تركية (أكثر من 3.6 مليون دولار) بسبب التعاقد المباشر مع شركة واحدة، بدلاً من نظام المناقصات ومشاركة عدة شركات متنافسة.
والمتهمون الـ 14 هم مسؤولون وموظفون في البلدية وشركات خاصة متعاقدة معها، وبينهم خمسة موقوفين، وتسعة متهمين يحاكمون طلقاء، بينما لم يرد اسم رئيس البلدية، يافاش، في لائحة الاتهام التي أعدتها النيابة العامة.
ومع ذلك، أغضبت القضية يافاش وحزب الشعب الجمهوري الذي ينوي ترشيحه لتمثيل الحزب والمعارضة التركية في الانتخابات الرئاسية القادمة في حال تعذر ترشح رئيس بلدية إسطنبول، أكرم إمام أوغلو، المسجون في قضايا فساد متشعبة منذ مارس/آذار الماضي.
وخلال استماع القضاة للمتهمين والادعاء والشهود، دافع رئيس قسم الثقافة والشؤون الاجتماعية السابق في بلدية أنقرة، حاجي علي بوزكورت، عن نفسه، قائلا إن قرار إقامة حفلة فنية على مستوى مدينة أنقرة يتم عبر تنسيق وموافقة عدة جهات في البلدية، وإن مفتشين حكوميين راجعوا عمله دون أن يوجهوا له أي تقصير.
وأضاف "بوزكورت" الذي يحاكم وهو مسجون، أن الحفلات التي نظمتها البلدية يحضرها عشرات الآلاف، ولا يمكن تنظيم حفلات صغيرة تليق بالعاصمة، مشيراً لكون أجور الفنانين ترتفع في المناسبات، بجانب تكليف تنظيم الحفل الأخرى من فرقة الموسيقى والمرافقين وشركات نصب المسرح والصوت والإضاءة وغيرها من تفاصيل التشغيل.
ولا يزال من المبكر صدور حكم في القضية التي تحظى بمتابعة كبيرة في البلاد، وقد زاد من شهرتها، ورود أسماء مغنين وفنانين بارزين في القضية بوصفهم من أحيا الحفلات الفنية التي أجريت بطريقة مخالفة لقوانين المناقصات وعروض الأسعار وفق لائحة الاتهام.
رغم عدم اتهام يافاش في القضية حتى الآن، إلا أن وسائل إعلام مقربة من الحكومة، وبينها صحيفة "صباح"، كشفت في وقتِ سابق، أن موظفة سابقة في البلدية وجهت رسالة إلى يافاش تخبره فيها بوجود مخالفات في قضية تنظيم الحفلات الفنية بعد أن تجاهل سكرتيره الخاص المعلومات التي قدمتها، وأن يافاش تجاهل مقابلتها رغم وعده بلقائها عند عودته من رحلة خارجية.
ويقول يافاش إنه مستعد للإدلاء بأقواله، ولا شيء لديه ليخفيه، ولم يقم بعمل يخشى المحاسبة عليه، وفق تعبيره عقب طلب النيابة العام من وزارة الداخلية، في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، الإذن للتحقيق معه.
وأضاف يافاش في بيان سابق، أن تحقيقات شاملة أجرتها سابقاً الجهات المختصة، في القضية، أثبتت عدم وجود تجاوز أو فساد يستدعي زج اسمه في القضية.
ومن شأن الزج باسم يافاش في القضية، أن يؤثر على سمعته السياسية، فهو محامٍ تركي بارز في حزبه، وشخصية سياسية قادرة على تمثيل الحزب في الانتخابات الرئاسية بعد أن اكتسح الانتخابات المحلية في أنقرة مرتين متتاليتين في 2019 و2024، بأعلى نسبة أصوات اقتربت من 60 بالمئة أمام منافسه من حزب العدالة والتنمية الحاكم.
فيما يعد السيناريو الأسوأ بالنسبة له ولحزبه، أن يرد اسمه ضمن القضية بوصفه متهماً، مع سير المحاكمة في الفترة المقبلة، في سيناريو مشابه لما جرى في بلدية إسطنبول في 19 مارس الماضي، عندما اعتقلت الشرطة رئيس بلديتها الكبرى المنتمي لحزب الشعب أيضاً، أكرم إمام أوغلو بتهم فساد، ولا يزال مسجوناً حتى الآن.
وأثارت القضية منذ سبتمبر/أيلول الماضي، غضب حزب الشعب الجمهوري وزعيمه أوزغور أوزيل الذي يتهم الحكومة بالوقوف خلف تلك الاتهامات وتعمد الإساءة لسمعة بلدية أنقرة عبر اعتقال المتهمين في الصباح الباكر من منازلهم بدلاً من استدعائهم والتحقيق معهم طلقاء لحين ثبوت أدلة ضدهم.
وبدا الحزب مستعداً لمسار مماثل لما جرى في إسطنبول، في حال تعرض رئيس بلدية أنقرة لمزيد من الضغوط، حيث كرر زعيم الحزب أوزغور أوزيل وكبار نواب وسياسيي الحزب مساندتهم ليافاش، وحضرت صوره واسمه بجانب إمام أوغلو في الميادين وحملات التضامن الإلكترونية في الفترة الماضية.
ويقول مسؤولو أكبر أحزاب المعارضة، إن حزبهم يتعرض للضغط من قبل الحكومة عبر تسييس القضاء واستغلاله لإبعاد المنافسين الجدد من طريق مرشحي الحزب الحاكم بعد انتصارهم في انتخابات العام الماضي وتزايد شعبية الحزب.
وينفي الحزب الحاكم تلك الاتهامات، ويقول إن الحكومة لا تتدخل في عمل القضاء، وأن حزب الشعب الجمهوري يواجه انقساماً داخلياً وشكاوى يتقدم بها أعضاء في الحزب ضد أعضاء آخرين.