قبل أقل من 15 شهرًا على انطلاق الانتخابات الرئاسية الفرنسية 2027، يواجه المرشحون المحتملون تحديًا لوجستيًّا يفوق العمل السياسي: تأمين "المبلغ السحري" البالغ 10 ملايين يورو لضمان الاستمرار في المنافسة.
ولتحقيق هذا الهدف، يحتاج كل مرشح لإقناع 1,333 متبرعًا كبيرًا بدفع الحد الأقصى البالغ 7,500 يورو، والمشكلة أنه لا يوجد في فرنسا كلها سوى ألف متبرع كبير تقريبًا على أقصى تقدير.
القانون الفرنسي يحدد قواعد صارمة: خارج فترة الانتخابات، تقتصر التبرعات للأحزاب على 7,500 يورو للشخص سنويًّا. وخلال الحملات الانتخابية، ينخفض السقف إلى 4,600 يورو للمتبرع الواحد؛ أما التبرعات من الشركات فمحظورة تمامًا.
نفقات الحملة محددة بسقف 16.9 مليون يورو للجولة الأولى و22.5 مليون للثانية، مع التزام الدولة برد نصف التكاليف لمن يحصلون على أكثر من 5% من الأصوات.
رئيس حزب الجمهوريين لم ينتظر إعلان ترشحه الرسمي ليبدأ الحملة المالية. رجلان يقودان العملية: أمين صندوق الحزب بيير دانون، والمصرفي أرنو دو مونتلور الذي أدار جمع التبرعات لحملة فرانسوا فيون عام 2016. الأول ينظم حفل استقبال أسبوعيًّا في مقر الحزب يحضره متبرعون محتملون، بينما يحضر الثاني عشاءات حميمية تجمع المرشح بنحو 10 أشخاص من أصحاب المحافظ الممتلئة.
يشارك في هذه الولائم كبار رجال الأعمال، وفنانون، ورؤساء اتحادات مهنية. لا يتعلق الأمر بطلب فتح دفاتر الشيكات فورًا، بل كما يلخص دو مونتلور: "يريدون رؤية الوحش أولًا".
يضيف المصرفي مبتسمًا: "بمعدل 7,500 يورو للشخص، نحتاج لكثير من الناس، وبالتالي كثير من العشاءات. لكن من يتبرع يكون متحمسًا جدًّا ويتحدث عن ذلك مع عائلته وأصدقائه".
يواجه ريتايو عقبة الديون التي يرزح تحتها حزبه، لكنه يملك أيضاً ميزة: 140 ألف عضو يدفعون 30 يورو سنويًّا، وشبكة واسعة من المنتخبين المفترض أن يحولوا 5% من تعويضاتهم للحزب.
مرشح حزب "آفاق" بدأ من نقطة الصفر عندما أسس حزبه عام 2021. يقول النائب فريديريك فاليتو: "كأنه بدأ في غرفة طالب بورقة بيضاء. الموظفون الأوائل تم توظيفهم بفضل المتبرعين الأوائل". اليوم، يمتلك الحزب "كنز حرب" بنحو 3 ملايين يورو حسب أمين الصندوق فرانسوا غولار.
فيليب، الذي يوصف بأن له "جانبًا متزمتًا" ولا يحب التعامل مع المال، نظم في ديسمبر/ كانون الأول أول أمسية مع رجال أعمال في قاعة بشارع فوبور سان أونوريه قرب قصر الإليزيه. حضر الحفل مئة شخص، بينهم بعض رؤساء شركات مؤشر "CAC 40".
رئيس حزب "النهضة" يمثل الاستثناء في هذا السباق المحموم. حزبه غني، يمتلك نحو 20 مليون يورو، ما يكفي لخوض الحملة دون قلق مالي. هذا ما يفسر عدم حماسته للمشاركة في انتخابات تمهيدية. يسخر أحد المرشحين المحتملين: "هل تعتقد أنه سيعطي 20 مليونًا لشخص آخر غيره؟".
لجوء المرشحين للقروض البنكية بات محفوفًا بالمخاطر بعد "سابقة فاليري بيكريس". المرشحة التي أنهت حملتها 2022 بأقل من 5% من الأصوات، فعجزت عن سداد ديونها من إعانات الدولة، واضطرت لحملة تبرعات لسداد 5 ملايين يورو اقترضتها شخصيًّا.
هذه السابقة جعلت البنوك حذرة من "اليانصيب الانتخابي". يحذر أحد المرشحين: "إذا كنت حول 5%، لن تقرضك أي بنوك". فريق فيليب يتوقع أن تصبح القروض مشروطة بنتائج استطلاعات الرأي، على نموذج المشاريع العقارية حيث تصرف الأموال تدريجيًّا حسب عدد الشقق المبيعة مسبقًا.
في هذه الظروف، قد تتحول الحملة لأفعوانية مالية: مع صعود المرشح في الاستطلاعات تتدفق الأموال، ومع أي تراجع في الشعبية قد يرى متبرعيه وملايينه تتبخر. سباق لا يحسمه البرنامج الانتخابي وحده، بل القدرة على جذب الشيكات الكبيرة أولًا.