في قرار مفاجئ ومحاط بالغموض، أعلنت القيادة العسكرية الأوكرانية حل الفيلق الدولي للدفاع الإقليمي، الوحدة التي أنشأها الرئيس فولوديمير زيلينسكي العام 2022 - بعد أيام فقط من الحرب الروسية - لاستيعاب المتطوعين الأجانب الراغبين في القتال إلى جانب أوكرانيا.
وبعد أربع سنوات من الخدمة والتضحيات، يجد مئات المقاتلين الأجانب أنفسهم في مواجهة مستقبل غامض ومصير مجهول.
"فايكنغ"، الدنماركي البالغ من العمر 45 عاماً، والقادم من جزر فارو، يجسد حالة الحيرة التي يعيشها المتطوعون.
يقول "فايكنغ" بصوت متعب: "أعلمنا بنقلنا فجأة في الأول من نوفمبر 2025، قبل شهرين من الإعلان الرسمي. كانت صدمة. قيل لنا: احزموا حقائبكم واتجهوا إلى كريفي ريه في نفس اليوم".
ومنذ ذلك الحين، يرزح "فايكنغ" ورفاقه في ثكنة بلا ماء منذ أسبوع ولا إنترنت، دون تدريبات أو تمارين.. وجهه المنهك ونظراته الثابتة تكشف عن إرهاق جسدي ومعنوي عميق، بحسب صحيفة "لوموند" الفرنسية.
الكتيبة الثانية من الفيلق، التي ينتمي إليها "فايكنغ"، استأنفت القرار وحصلت على مهلة حتى 15 فبراير/شباط، لكن أعضاءها نُقلوا بالفعل إلى الفوج 253 للهجوم التابع للواء 129 للدفاع الإقليمي - وحدات تنفذ أخطر المهمات في الجيش النظامي.
رئيس أركان الكتيبة الثانية، أندريه سبيفاك، يصف القرار بأنه "هدر لا يصدق للموارد".
ويقول المقدم سبيفاك، البالغ 59 عاماً: "نحن البنية الوحيدة في الجيش حيث جميع الضباط يتحدثون لغتين. مركز التجنيد والتدريب تديره فرق ثنائية اللغة. دربنا مقاتلينا على تكتيك دفاعي مبتكر يجمع ثلثي مشغلي طائرات مسيرة وثلث مشاة. والآن كل شيء يتفكك لإرسالهم إلى وحدة هجومية، وهي مهمة مختلفة تماماً. كل هذه الكفاءات معرضة للضياع".
وسبيفاك هو الضابط الأوكراني الوحيد الذي قبل التحدث عن قرار قيادته.
ولا توجد أرقام رسمية عن عدد الأجانب الملتحقين بالفيلق منذ إنشائه، لكن الآلاف وقعوا عقودًا لثلاث سنوات، رغم أن العدد لم يصل أبداً إلى 20 ألف مقاتل الذي كان مأمولاً في العام 2022.
ويتفاوت رد فعل المقاتلين على الحل النهائي للكتيبة، إذ يقول "كونور"، أمريكي بعمر 27 عاماً، وُلد في أوكرانيا، وتبنته عائلة أمريكية في سن العاشرة: "جئت هنا للقتال من أجل بلدي، ليس من أجل الفيلق. الأهم بالنسبة لي هو مواصلة القتال، لكنني أحرص على عدم النقل إلى أي مكان، أريد استخدام مهاراتي بشكل جيد".
أما "فايكنغ"، الذي أصيب بـ 126 شظية قنبلة في جانبه الأيسر خلال مهمة استطلاع العام 2023، فيعبر عن مخاوف مشتركة: "الجميع يخشى الانتهاء في وحدة حيث القائد لا يتحدث الإنجليزية. الفيلق الدولي كان يوفر إطاراً آمناً للمتطوعين الأجانب".
ورغم معاناته، يبقى مصمماً على "البقاء حتى النهاية"، مقتنعاً أن الحرب "ستستمر لسنوات عديدة".
أما كارل، وهو مسعف أمريكي بعمر 53 عاماً، يفكر في فعل ما يخطط له كثير من رفاقه إذا حُلت الكتيبة الثانية، وقال: "سأنهي عقدي! أشعر بالمرارة تجاه كبار الضباط".
وأضاف "نخاطر بحياتنا لمساعدة أوكرانيا ثم يتخلون عنا. إنها صفعة. بقي لي عام واحد للحصول على الجنسية الأوكرانية، لكن العداد أُعيد للصفر، بسبب النقل. هذا يرسل لنا جميعاً رسالة مروعة؛ تظهر عدم فهم تام للقيمة الاستراتيجية للفيلق الدولي".
وعلى عكس الفيلق الأجنبي الفرنسي المُشكل العام 1831 للعمل في الجزائر، كان الفيلق الدولي الأوكراني مصمماً لمقاومة روسيا القائمة على نوايا استعمارية في حربها.
ويأتي حل الفيلق، بينما لا تُظهر روسيا أي علامات تراجع، فيما تعاني القوات الأوكرانية من عجز حاد في الموارد البشرية، الأمر الذي يطرح تساؤلات جدية حول الرؤية الاستراتيجية للقيادة العسكرية الأوكرانية.
وفي العام 2025، كان الفيلق يضم أربع كتائب تحوي نظرياً بين 400 و600 شخص، وشارك في معارك مهمة كتحرير منطقة خاركيف والدفاع عن فوفتشانسك وتشاسيف يار.
وبينما يبقى فيلق دولي آخر تابع للاستخبارات العسكرية سليماً، يواجه آلاف المتطوعين الذين تركوا بلدانهم للدفاع عن أوكرانيا مصيراً مجهولاً في ظل قرار يبدو متسرعاً ومحيراً.