تصاعدت التوترات بين باكستان وأفغانستان بشكل حاد يوم الجمعة، بعد أن شنت باكستان غارات جوية على العاصمة الأفغانية كابول ومدن أخرى على طول الحدود.
وأعلن وزير الدفاع الباكستاني خواجة آصف أن صبر بلاده قد نفد مع سلطات طالبان، واصفًا العملية بأنها "حرب مفتوحة" ضد الحكومة الأفغانية.
وأطلقت باكستان على الهجمات اسم "غضب الحق"، في إشارة إلى تصعيد عسكري لم يسبق له مثيل منذ عودة طالبان إلى السلطة عام 2021.
وفق تقارير باكستانية، استهدفت الضربات كابول ومقاطعات باكتيا وقندهار، إضافة إلى مواقع حركة طالبان في والي خان، شوال، باجور، وأنجور أدا.
وردت القوات الأفغانية بشن هجمات مضادة على مواقع عسكرية باكستانية على طول الحدود، بما في ذلك قاعدتان و19 موقعًا عسكريًا، في محاولة للرد على الغارات الباكستانية.
تختلف التقديرات حول الخسائر البشرية بشكل كبير بين الطرفين؛ فقد أعلنت باكستان مقتل 133 مقاتلًا أفغانيًا وإصابة أكثر من 200 آخرين، مع تدمير 27 موقعًا عسكريًا وسيطرة باكستان على تسعة مواقع أخرى، إضافة إلى تدمير أكثر من 80 دبابة ومدفعاً وناقلة جند مدرعة.
في المقابل، أعلنت حكومة طالبان الأفغانية أن ثمانية مقاتلين فقط قتلوا وأصيب 11 آخرون، بينما قتلت قواتها 55 جنديًا باكستانيًا في هجوم مضاد واستولت على قاعدتين عسكريتين و19 موقعًا على طول الحدود، وهو ما نفته باكستان رسميًا.
كما أشار الهلال الأحمر الأفغاني إلى سقوط 18 قتيلًا مدنيًا وإصابة آخرين نتيجة الغارات، بينما حذر الرئيس الأفغاني السابق حامد كرزاي من تصاعد العنف، داعيًا باكستان إلى تبني "سياسة حسن الجوار والاحترام المتبادل".
يعود تصاعد العنف الحالي إلى توترات مستمرة منذ عودة طالبان إلى السلطة في أفغانستان عام 2021. وتسعى باكستان، على وجه الخصوص، لكبح جماح حركة طالبان باكستان (TTP) والجماعات المسلحة الأخرى التي تنشط من الأراضي الأفغانية.
لكن طالبان أفغانستان تتردد في مواجهة طالبان باكستان مباشرة، جزئيًا بسبب الروابط الأيديولوجية والاجتماعية واللغوية بين الحركتين، وكذلك خوفًا من انشقاق مقاتلي "طالبان" وانضمامهم إلى تنظيم "داعش" في ولاية خراسان.
ويشكل خط ديوراند الحدودي، الممتد لمسافة 2611 كيلومترًا، محورًا آخر للتوتر، إذ لا تعترف أفغانستان رسميًا بالحدود التي فرضتها القوى الاستعمارية سابقًا، والتي قسمت المناطق ذات الأغلبية البشتونية بين البلدين.
ومنذ عام 2021، سجلت اشتباكات متكررة على طول الحدود بين باكستان وأفغانستان، بما في ذلك 75 مواجهة مسلحة موثقة.
وقد شهدت السنوات الأخيرة تصاعد الهجمات المسلحة داخل باكستان، لا سيما في إقليم بلوچستان وخابر بختونخوا، مما دفع إسلام آباد للرد عسكريًا.
تباينت ردود الفعل الدولية على التصعيد الأخير؛ دانت الهند الغارات الجوية الباكستانية، واعتبرتها استهدافًا للمدنيين، بينما حث الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش الطرفين على الالتزام بالقانون الدولي.
كما دعا وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي باكستان وأفغانستان إلى حل خلافاتهما عبر الحوار وحسن الجوار، مؤكدًا أهمية ضبط النفس خلال شهر رمضان.
ومن جهتها، حثت روسيا على وقف الهجمات فورًا، وعرضت التوسط بين الطرفين عبر القنوات الدبلوماسية، في محاولة لتخفيف التوتر في المنطقة.
يعد التصعيد الأخير مؤشرًا واضحًا على هشاشة الأمن في جنوب آسيا، ويبرز التحديات التي تواجهها باكستان وأفغانستان في تحقيق استقرار مستدام على طول حدودهما المشتركة.
ويظل التوصل إلى اتفاق طويل الأمد مرتبطًا بقدرة طالبان على مواجهة الجماعات المسلحة، وباستعداد باكستان لاعتماد سياسة أكثر توازنًا تجاه جارتها، لتجنب مزيد من الخسائر البشرية والاحتكاكات العسكرية.