برز اسم جاكوب هيلبرغ، وكيل وزارة الخارجية الأمريكية للشؤون الاقتصادية، بوصفه حلقة الوصل الأكثر تأثيرًا بين إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وقوى اليمين المتطرف في فرنسا.
فالدبلوماسي الشاب، البالغ من العمر 36 عامًا، لا يكتفي بدوره الرسمي في إدارة العلاقات الاقتصادية، بل يؤدي دورًا سياسيًا غير معلن في فتح قنوات التواصل مع قيادات قومية أوروبية تسعى إلى الاقتراب من واشنطن في عهد ترامب.
وبحسب تقرير مطوّل نشرته صحيفة "لوموند" الفرنسية، فإن هيلبرغ أصبح العنوان الأول لكل من يرغب، داخل أوساط اليمين الفرنسي المتشدد، في الوصول إلى دوائر القرار في البيت الأبيض.
وتشير الصحيفة إلى أن نفوذه تجاوز الأطر الدبلوماسية التقليدية، ليصل إلى لعب دور "الميسّر السياسي" لمشروع ترامب في أوروبا، القائم على دعم التيارات القومية والرافضة للاتحاد الأوروبي.
ونسج هيلبرغ علاقات وثيقة مع شخصيات بارزة في المشهد اليميني الفرنسي، حيث سهّل حضور النائبة الأوروبية سارة كنافو، المقربة من إريك زمور، حفل تنصيب ترامب في يناير/كانون الثاني 2025، كما التقى زمور شخصيًا خلال زياراته لباريس.
ورافق نائب رئيس حزب التجمع الوطني، لويس أليو، إلى مناسبات سياسية داخل الولايات المتحدة، من بينها فعالية تكريمية لأحد الناشطين الجمهوريين.
والأكثر حساسية كان لقاؤه غير المعلن مع مارين لوبان، في باريس في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، وهو لقاء التزم الطرفان الصمت بشأن تفاصيله.
ويأتي ذلك في وقت تخضع فيه زعيمة التجمع الوطني لمحاكمة استئناف في قضية المساعدين البرلمانيين الأوروبيين، وسط اتهامات متبادلة بين معسكرها وخصومها بتسييس القضاء.
وأشارت الصحيفة إلى أنه رغم نفي هيلبرغ أي تدخل مباشر في الشأن القضائي الفرنسي، فإن مواقفه العلنية تعكس انسجامًا مع خطاب ترامب، الذي وصف محاكمة لوبان بأنها "مطاردة سياسية".
كما أن وثيقة "استراتيجية الدفاع الوطني" التي أصدرتها الإدارة الأمريكية في ديسمبر/كانون الأول 2025، عبّرت صراحة عن تفاؤل واشنطن بـ"صعود الأحزاب الوطنية في أوروبا"، واعتبرتها فرصة لإعادة تشكيل التوازن السياسي داخل الاتحاد الأوروبي.
وينحدر هيلبرغ من خلفية غير تقليدية في السلك الدبلوماسي، إذ وُلد في فرنسا لأم فرنسية وأب أمريكي، وانتقل إلى الولايات المتحدة بعد إنهاء دراسته الثانوية.
وتلقى تعليمه في العلاقات الدولية، قبل أن يشق طريقه في وادي السيليكون، حيث عمل في شركة غوغل، ثم مستشارًا رفيعًا في شركة "بالانتير" المتخصصة في تحليل البيانات لصالح الحكومات وأجهزة الاستخبارات.
وأصدر في عام 2021 كتابًا حول "الحرب الرمادية" بين الولايات المتحدة والصين في الفضاء الرقمي، ما عزز مكانته في الأوساط الاستراتيجية بواشنطن، وفتح له أبواب مراكز التفكير والدوائر الأمنية.
وبدأ هيلبرغ مسيرته السياسية قريبًا من الحزب الديمقراطي، وموّل حملات شخصيات بارزة مثل جو بايدن، وكامالا هاريس، بمبالغ كبيرة، غير أن خيبة أمله من سياسات الديمقراطيين، خصوصًا في ما يتعلق بالتنظيمات البيئية والضرائب والتعامل مع جائحة كورونا، دفعته تدريجيًا إلى معسكر الجمهوريين.
بعد انتقاله إلى فلوريدا، وتوسيع شبكة علاقاته مع رجال أعمال مقربين من ترامب، أصبح أحد أبرز الممولين لحملة الرئيس الأمريكي، حيث تشير تقديرات إعلامية إلى مساهمته بنحو 3 ملايين دولار في الحملات الجمهورية.

وفي أوروبا، يوسّع هيلبرغ شبكة علاقاته مع مسؤولين سياسيين ودبلوماسيين، لكنه لا يخفي موقفه العدائي من الاتحاد الأوروبي، الذي يصفه بأنه "مفرط في التنظيم".
كما يوجه انتقادات لاذعة للنظام الضريبي الفرنسي، ويتحدث عن "تضييق تنظيمي" يحد من النمو والاستثمار.
أما القضاء الفرنسي، فقد كان بدوره هدفًا لتصريحاته، خصوصًا في القضايا التي طالت شخصيات من اليمين، حيث يرى أن "النظام القضائي بات أداة ضغط سياسي"، على حد تعبيره في منشورات سابقة.
اليوم، ومع توليه منصبًا رسميًا رفيعًا، بات هيلبرغ أكثر حذرًا في صياغة مواقفه، دون أن يتخلى عن رسائله السياسية.
ففي تعليقه على محاكمة مارين لوبان، قال إن "العالم يراقب عن كثب"، مضيفًا أن "حيادية القضاء الفرنسي ستُقاس بنتائج هذه القضايا".
وخلصت الصحيفة الفرنسية إلى القول إن هذه التصريحات تُقرأ في باريس على أنها تلميحات ضاغطة أكثر منها مواقف دبلوماسية بريئة، مؤكدة أن جاكوب هيلبرغ بات أحد أبرز وجوه النفوذ الأمريكي الجديد في الساحة السياسية الأوروبية.