تقدّم مسار التفاوض حول إنهاء الحرب في أوكرانيا إلى مرحلة تتسم بكثافة سياسية عالية، مع بقاء القرار النهائي خارج متناول الإعلان.
التصريحات الصادرة، خلال الأيام الأخيرة، من واشنطن وكييف، والحراك الدبلوماسي المتزامن في موسكو وأبوظبي، يعكسان اكتمال الصياغة العامة للاتفاق، دون انتقالها إلى مستوى الالتزام التنفيذي.
التحركات الأخيرة التي قام بها المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف، وجاريد كوشنر نحو موسكو جاءت ضمن قناة تفاوضية قائمة، وتعمل وفق إيقاع محسوب بين واشنطن والكرملين. هذه القناة أُنشأت لتثبيت ما تم التوصل إليه، وتضييق هامش الخلافات المتبقية.
الملفات التنفيذية على الطاولة
مصدر أمريكي مطّلع على تفاصيل المفاوضات، قال لـ"إرم نيوز" إن الملف انتقل إلى بحث آليات التطبيق، مضيفًا أن الاختلاف القائم لا يطاول بنية الاتفاق، بل الشروط التي تحكم ما بعد توقيعه.
وبدأت في أبوظبي، منذ يوم أمس، محادثات ثلاثية تجمع الولايات المتحدة وروسيا وأوكرانيا، في إطار يُعد الأول من نوعه منذ اندلاع الحرب، اختيار العاصمة الإماراتية جاء بعد سلسلة اتصالات غير معلنة خلال الأسابيع الماضية، وتزامن مع زيارة المبعوثين الأمريكيين إلى موسكو، هذه الجولة تُدار على مستويين أمني وتنفيذي، مع تركيز على القضايا التي تعيق الانتقال من مسودة تفاهم إلى اتفاق قابل للتطبيق.
زيارة ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر إلى موسكو كانت قد سبقت انطلاق محادثات أبوظبي بساعات، وجاءت في إطار تنسيق مباشر مع الكرملين حول جدول الأعمال التنفيذي، اللقاءات التي عقدها المبعوثان مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين تناولت تفاصيل الضمان الأمني وترتيبات الأرض، وفق ما أفادت به مصادر مطلعة لـ"إرم نيوز".
وفي الأيام التي سبقت الجولة الحالية، أعادت موسكو التأكيد عبر قنوات رسمية وإعلامية على أن ملف دونباس يشكل محورًا أساسيًا في أي تسوية، الطرح الروسي يتعامل مع انسحاب القوات الأوكرانية من الإقليم كشرط سياسي واضح، وهذا الموقف نُقل إلى الجانب الأمريكي خلال لقاءات موسكو، ويجري بحثه، حاليًا، في أبوظبي ضمن إطار أوسع لترتيبات الأرض، ما يمنح الملف ثقلًا عمليًا داخل المفاوضات الجارية.
دونباس والضمانات
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي تحدث، خلال الساعات الماضية، عن اقتراب الصياغة النهائية للاتفاق، مع تأكيده أن القضايا الإقليمية والضمانات الأمنية ما زالت قيد النقاش.
بينما تُعقد الجولة الحالية من دون مشاركة مباشرة لقيادات أوروبية، في مؤشر على انتقال الملف إلى مرحلة إدارة تنفيذية أكثر منها سياسية، ورغم أن العواصم الأوروبية ما زالت حاضرة عبر القنوات الدبلوماسية، لكن غيابها الحالي يعكس تراجع دورها في لحظة صياغة الضمانات والترتيبات الأمنية.
في صلب الموقف الروسي، يبرز ملف دونباس باعتباره نقطة أساسية ومعلنة في أي تسوية، إذ تنظر موسكو إلى هذا الملف كجزء من ترتيبات الأرض التي يجب أن تُحسم بوضوح، مصدر دبلوماسي روسي، أوضح خلال حديث لـ"إرم نيوز" أن الانسحاب الأوكراني من دونباس يشكّل مطلبًا مركزيًا في الرؤية الروسية للتسوية، مشيرًا إلى أن هذا المطلب ليس بندًا تفاوضيًا، وإنما يمثل عنصرًا بنيويًا في تصور موسكو للاستقرار، مضيفًا أن المقاربة الروسية ترى أن أي اتفاق يتجاوز هذه النقطة، سيبقى هشًا.
إلى جانب ترتيبات الأرض، يتمحور الخلاف القائم حول طبيعة الضمان الأمني الذي يرافق الاتفاق. هذا الملف يتعلق بصورة أساسية في شكل الالتزام وحدوده، والجهة التي تتحمله، حيث تُطالب كييف بضمانة واضحة وقابلة للتفعيل، تستند إلى التزامات عملية تمنع تكرار سيناريوهات الانهيار السابقة.
في حين يشير مصدر دبلوماسي أمريكي لـ"إرم نيوز" إلى أن الإدارة الأمريكية تتعامل مع هذا الطلب بحسابات دقيقة، موضحًا أن واشنطن تسعى إلى توفير مظلة ردع كافية، من دون الدخول في التزامات قانونية مفتوحة قد تُقيد هامش الحركة مستقبلًا، هذا التوازن ينعكس مباشرة على صياغة الضمان، ويُبقيه في إطار ترتيبات قابلة للنقاش.
حدود القبول بين موسكو وكييف
من جهتها، تضع موسكو سقفًا واضحًا لهذا الملف، إذ يؤكد المصدر الروسي أن أي صيغة ضمان تُفضي عمليًا إلى إعادة إنتاج مظلة أطلسية، ولو بصيغة غير مباشرة، تبقى خارج نطاق القبول، ويضيف أن الكرملين يرى في الضمان الأمني مسألة ترتبط بإعادة ضبط التوازن، وليس بإعادة توزيع أدوار المواجهة.
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ناقش هذه النقاط خلال لقاءاته الأخيرة مع المبعوثين الأمريكيين، مع تركيز على التفاصيل التنفيذية والآثار المترتبة على الأرض، وفق توصيف المصدر نفسه.
زيلينسكي تحدث، مؤخرًا، عن مسودة قريبة من الاكتمال، في خطاب يعكس حاجة داخلية إلى تثبيت أفق سياسي واضح، هذا الخطاب يأتي في سياق سعي كييف إلى تحويل التقدم التفاوضي إلى التزام ملموس، مع إدراك أن غياب الضمان سيترك الاتفاق عرضة للاهتزاز.
بينما صرح زيلينسكي، لاحقًا، أن قضية الأراضي، لا سيما وضع شرق دونباس، ستكون على رأس أولويات المحادثات الثلاثية في أبوظبي، وقال إن هذا الملف سيُناقَش بين وفد بلاده والوفدين الروسي والأمريكي خلال المفاوضات الجارية، هذه التصريحات تعكس أن ملف دونباس موجود بوضوح على طاولة التفاوض الآن، وأن كييف تُعده نقطة مركزية في الخطاب والمفاوضات.
المصدر الروسي يرى أن كييف تحاول رفع مستوى الالتزام المطلوب من الشركاء قبل التوقيع، بينما يشير المصدر الأمريكي إلى أن هذا الضغط مفهوم سياسيًا، لكنه يصطدم بحدود الاستعداد الدولي لتحمل تبعات أمنية طويلة الأمد.
الضمانات الأمنية وحدود القبول الروسي
من جانبه، يرى أليكسي غرافوف، الباحث الروسي في شؤون الأمن الإقليمي والعلاقات الدولية، أن ما يجري، حاليًا، يمكن قراءته كمرحلة اختبار لقدرة الاتفاق على الصمود بعد التوقيع، من وجهة نظره، فإن تركيز موسكو على دونباس ينطلق من حسابات استقرار طويلة المدى.
ويقول خلال حديثه لـ"إرم نيوز" إن النقاش الدائر حول الضمانات الأمنية يثير قلقًا روسيًا حقيقيًا، بسبب غموض حدود التوازن، بالنسبة له، "المشكلة تكمن في احتمال أن تتحول هذه الآلية إلى إطار دائم لإعادة تموضع عسكري غير مباشر"، ويضيف أن موسكو تسعى إلى اتفاق يُغلق مسار الصراع، لا إلى ترتيبات تتركه مفتوحًا تحت إدارة دولية.
ويلفت بالقول إن التوقيت الحالي يمنح روسيا هامش مناورة أوسع، لأن ميزان القوى على الأرض لم يعد متقلبًا، ولأن التعب السياسي بات عاملًا حاضرًا لدى جميع الأطراف، من هذا المنطلق، يرى أن موسكو لن تتعجل التوقيع ما لم تتضح صيغة ما بعد الاتفاق بشكل كامل، لأن كلفة اتفاق غير مستقر قد تكون أعلى من كلفة الانتظار.
الهواجس الأوكرانية من تسوية بلا ضمان
بدوره، اعتبر المحلل الأوكراني في السياسات الأمنية والتحولات الإستراتيجية، سيرهي كوفالينكو، أن الحديث عن مسودة جاهزة لا يعني أن أوكرانيا وصلت إلى لحظة اطمئنان، بل إلى لحظة قلق من الفراغ، وأشار خلال حديثه لـ"إرم نيوز" إلى أن كييف تدرك أن إنهاء العمليات العسكرية لا يوازي بالضرورة إنهاء التهديدات، وأن أي اتفاق لا يترافق مع ضمانات قابلة للتفعيل سيترك الدولة أمام معادلة هشّة.
وفيما يتعلق بدونباس، لفت كوفالينكو إلى أن الملف يُعد كقضية سيادة داخلية وتماسك مجتمعي، مشيرًا إلى أن أي صيغة تُفرض من دون معالجة آثارها السياسية والاجتماعية ستُنتج توترات داخلية لا تقل خطورة عن التوترات الخارجية.
ويخلص إلى أن أوكرانيا تجد نفسها في موقع تفاوضي معقّد؛ من حيث إن الحاجة إلى إنهاء الحرب تتقاطع مع الخشية من تسوية غير محمية. لذلك، يرى أن الضغط الحالي يهدف إلى تثبيت التزامات واضحة قبل التوقيع، لأن ما بعد الاتفاق سيكون الاختبار الحقيقي لقدرة الدولة على الاستقرار.