تضع حسابات الأمن القومي الإسرائيلي توجيه ضربة إلى إيران ضمن أولوياتها الاستراتيجية، فيما تنظر تل أبيب إلى المسار التفاوضي باعتباره خطوة لاستنفاد الشرعية السياسية، وبناء شرعية للعمل العسكري في المقابل، في ظل حشود عسكرية غير مسبوقة وارتفاع حدة التوتر في المنطقة.
وقالت مصادر عبرية إن حسابات تل أبيب إزاء ردع طهران خرجت من ثوابت المعادلة الأمنية، وإن كسر قواعد الاشتباك بضربة مفاجئة لا يغادر طاولات تقدير الموقف الإسرائيلي، خاصة عند العودة إلى يونيو/حزيران الماضي، وإهدار فرصة إسقاط النظام الإيراني بفعل قرار أمريكي بوقف التصعيد.
وبحسب ورقة بحثية أعدها مركز دراسات الأمن القومي الإسرائيلي، جمَّد الرئيس دونالد ترامب طلعات جوية، كانت في طريقها من قاعدة "نيفاتيم" صوب منشآت إيرانية في آخر أيام حرب "الـ12 يومًا" مع طهران.
ورأى المركز البحثي التابع لجامعة تل أبيب، أن "إسرائيل لن تغفر لإدارة ترامب التراجع مجددًا عن تصفية النظام الإيراني، أو التردد في وضع نهاية للكابوس الجاسم على صدر إسرائيل والمنطقة بأسرها".
واعتمدت الورقة البحثية على مواثيق جديدة: "إن لم تلتزم واشنطن بتنفيذ المهمة، فلن تظل إسرائيل مكتوفة الأيدي أمام تعاظم شوكة الدولة الفارسية في خاصرة الدولة العبرية".
وقالت صحيفة "معاريف"، إن معادلة الأمن القومي الإسرائيلي، تشهد تحولًا، فبدلًا من الاعتماد على الشراكة الأمريكية في التعامل عسكريًا مع إيران، رأى جديد المعادلة حتمية انفراد إسرائيل بالعملية، إذا أخفقت فيها أو تراجعت عنها واشنطن، حتى إذا أفضى ذلك إلى اضطراب العلاقات مع البيت الأبيض.
وأضافت الصحيفة حتى في حال أفول العلاقات مع واشنطن، تمتلك إسرائيل دواعي إنعاشها عبر رواسخ العلاقات مع الحزب الجمهوري، الذي لا يقبل تحت أي ظرف أو توجه سياسي لقاطن البيت الأبيض بما يفرض تحديًا وجوديًا على إسرائيل، ويزعزع استقرارها في منطقة حُبلى بتوترات إقليمية غير مسبوقة.
وحول قدرة إسرائيل على اللجوء المنفرد لضرب إيران، رأى قائد سلاح الجو الإسرائيلي الأسبق، الجنرال إليعازر ماروم، أن "إسرائيل لن تستطيع الحفاظ على وجودها في ظل امتلاك الإيرانيين 2000 صاروخ باليستي موجهة نحوها، وهذا النظام يعلن بوضوح أنه يريد القضاء على إسرائيل".
وأضاف أن الإيرانيين استعادوا إلى حد ما، قدرتهم على إطلاق الصواريخ الباليستية، وهو ما يمثل تهديدًا حقيقيًا لأمن لإسرائيل.
وأشار إلى أنه على رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، إعلام مبعوث ترامب ستيف ويتكوف، برسالة أن "الأسلحة النووية شيء، والصواريخ الباليستية شيء آخر، والأمر الثالث هو قضية الوكلاء أو العناصر المعادية المحيطة بإسرائيل".
وأضاف: "أعتقد أن إسرائيل ستوضح موقفها جليًا: إن لم تفعلوا ذلك، فسنفعله نحن. بعد 7 أكتوبر 2023، غيّرت إسرائيل مفهومها الأمني؛ وتقول بوضوح تام: "لم يعد بإمكان الوحوش أن تتطور على الجانب الآخر من الحدود، حتى وإن كانت إيران بعيدة عنا، فعندما تُهددنا وتملك الوسائل، يمكنها تنفيذ تهديداتها، ولعلنا رأيناها تفعل ذلك في السابق، وربما في المستقبل غير البعيد".
وفيما يتعلق بالمخاطر المحتملة لهجوم إسرائيلي على إيران، قال إليعازر ماروم: "لا توجد حربٌ سهلة، ففي الحروب تحدث أعطالٌ ولا يمكن ضمان سير العمليات بسلاسة. إنه أمرٌ خطير، ونحن بالتأكيد نخاطر، لكننا نعتقد أنه لا خيار آخر أمامنا سوى ذلك".
وأتبع: "هناك عدد كبير من الأهداف، ولن نضطر هذه المرة إلى بذل جهد كبير، لأن منظومة الدفاع الجوي الإيرانية لم تعد مؤهلة بما يكفي، ولأن الروس لا يملكون أنظمة لتزويدهم بها. الأهداف معروفة، وسيكون الضرر في إيران بالغًا إذا شنّ سلاح الجو الإسرائيلي هجومًا على العمق الإيراني".
ولتبرير عملية عسكرية منفردة، تعول إسرائيل على إمكانية رفض إيران إملاءات تل أبيب غير المباشرة عبر البوابة الأمريكية، إذ لا يتصور الإسرائيليون قبول وفد طهران التفاوضي إلا بتنازلات تكتيكية تخص الملف النووي، مع حرص الوفد ذاته على تفادي العروج بالتفاوض إلى برامج الصواريخ الباليستية، أو كبح جماح وكلاء إيران في الشرق الأوسط.
من جهتها، قالت صحيفة "يديعوت أحرونوت"، إن ترسيخ التعويل الإسرائيلي بالإشارة إلى حدود التفويض، الذي منحه المرشد الأعلى علي خامنئي، لوزير الخارجية عباس عراقجي، واقتصاره على الملفات النووية فقط.
واعتبرت الصحيفة خطوة خامنئي مسمارًا أوليًا في نعش العملية التفاوضية المقررة في إسطنبول، حتى قبل ولادتها.
وفي المقابل، رأى المحلل الإسرائيلي إيتمار آيخنر، أن إسرائيل تحفظت في غرف مغلقة على تمثيل ويتكوف الإدارة الأمريكية في التفاوض مع إيران، مشيرًا إلى أن "مقاول العقارات" يفتقر إلى الخبرة الكافية في إدارة الملف الأكثر تعقيدًا".
وأضاف أن "ويتكوف من أبرز المعارضين للضربة العسكرية، ويُنظر إليه في إسرائيل على أنه "رجل النهج الانعزالي"، الذي ينأى بواشنطن عن خوض صراعات عسكرية.
وأوضح أنه "في مناسبات سابقة، يرغب ويتكوف في الاستماع إلى الموقف الإسرائيلي بشأن المفاوضات مع إيران، لمعرفة كيف تنظر تل أبيب إلى الأمور، وما الذي يشكل اتفاقًا جيدًا لإسرائيل".
وأشار إلى أن "إسرائيل تخشى سقوطه في شراك فريق التفاوض الإيراني، المشهود له بالكفاءة العالية، لكن المعضلة تكمن في مدى تصميم ترامب على المضي قدمًا في التفاوض، وإمكانية تراجعه عن ضرب إيران، وفق الكاتب الإسرائيلي".
وبحسب الصحيفة يزيد قلق تل أبيب مع الاعتراف بأن الجيش الأمريكي لا يمتلك حلًا سحريًا لإسقاط النظام الإيراني من خلال عملية عسكرية أو عمليتين، بل يتطلب الأمر حملة أطول.
ورغم ذلك، لا تستبعد إسرائيل قبول الإيرانيين بخيار شرب "الكأس المسمومة"، تفاديًا لتحالف أمريكي – إسرائيلي، يمكنه اجتثاث جذور الجمهورية الإسلامية إقليميًا.