تصدرت قمة رؤساء الدول الأفريقية في أديس أبابا، التي اختتمت أعمالها مساء الأحد، ملفات الصراعات الدائرة في القارة السمراء، لا سيما الأزمة في جمهورية الكونغو الديمقراطية.
وانتهت القمة ببيان فضفاض حول الوضع الأمني في بؤر النزاع لا يعكس قدراتها التنفيذية، في حين اقترح خبراء إنشاء مراكز أزمات مصغرة في مناطق الحرب.
واختتم رؤساء الدول والحكومات الأفريقية أعمال الدورة العادية التاسعة والثلاثين لجمعية الاتحاد الأفريقي في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، والتي شهدت انتقال رئاسة الاتحاد لعام 2026 إلى رئيس جمهورية بوروندي، إيفاريست ندايشيمي، خلفاً للرئيس الأنغولي جواو لورينزو، وسط تطلعات قارية لتعزيز الاستقرار والتكامل الاقتصادي.
وفي الجانب الأمني، أعرب القادة عن قلقهم العميق إزاء تصاعد النزاعات والتغييرات غير الدستورية للحكومات.
وجددوا الالتزام بمبدأ "إسكات البنادق" ورفض الانقلابات العسكرية، مع المصادقة على مذكرة تفاهم لتعزيز جاهزية "القوة الأفريقية"، وضمان تمويل مستدام لعمليات دعم السلام التي تقودها القارة.
وحذّرت الأمم المتحدة، في آخر تقرير لها للاتحاد الأفريقي، من مواجهة القارة موجة غير مسبوقة من انعدام الأمن، بدءًا من توسع الجماعات المتطرفة في منطقة الساحل، مرورًا بتفكك شرق الكونغو والتوترات المستمرة داخل إثيوبيا نفسها.
وأكد المحلل النيجري أمادو كوديو تزايد عزوف الدول الأعضاء عن تطلعاتها الأفريقية، وأوضح كوديو، في تصريح لـ"إرم نيوز"، أن التحديات الاقتصادية التي تواجهها العديد من الدول، نتيجة النمو الجماعي والتحولات الديموغرافية، تدفعها إلى إعطاء الأولوية للمستوى الوطني على حساب المستوى القاري.
ولاحظ المحلل أن الدول الصغرى التي كانت تعتمد في السابق على الاتحاد الأفريقي للوصول إلى القوى الكبرى والدول الصاعدة، باتت تتمتع الآن بوصول مباشر وفعّال، لا سيما إلى الولايات المتحدة والصين وروسيا التي تقيم معها علاقات اقتصادية وتجارية وتعقد معها الصفقات.
ومن الأزمات الأخرى التي استحوذت على اهتمام رؤساء الدول، التوترات بين بوروندي ورواندا الناجمة عن الصراع في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية، إلى جانب الهجمات في الصومال، والتهديدات الأمنية في منطقة الساحل.
وشهدت منطقة شرق الكونغو سنوات من الصراع الذي شاركت فيه القوات الحكومية والعديد من الجماعات المتمردة، بما في ذلك حركة إم 23.
وتسيطر الجماعة المتمردة، المدعومة من رواندا المجاورة وفقًا للأمم المتحدة والدول الغربية، على مساحات شاسعة من الأراضي في شرق الكونغو، بما في ذلك عاصمتا مقاطعتي غوما وبوكافو اللتان استولت عليهما مطلع عام 2025.
لكن مفوضية الاتحاد الأفريقي اكتفت بالترحيب بتوقيع بنود مرجعية لآلية وقف إطلاق النار بين حكومة جمهورية الكونغو الديمقراطية وتحالف نهر الكونغو.
وقال الاتحاد، في بيان له، إن الاتفاق يمثل خطوة مهمة نحو الحد من القتال في شرق البلاد المضطرب.
وأضاف رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي، محمود يوسف، أن ذلك يمثل تطوراً إيجابياً نحو خفض حدة الأعمال العدائية واستعادة السلام والأمن في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية.
وتعليقا على معضلة انحسار دور الاتحاد، قال الباحث في الشؤون الدولية فيكراماديتيا شريفاستافا، في مقال بمجلة "مودرن ديبلوماسي"، إن أفريقيا تواجه سلسلة من التهديدات المتضافرة، من بينها التطرف العنيف، وعدم الاستقرار الناجم عن تغير المناخ، والجريمة المنظمة، وانعدام الأمن الغذائي، وتآكل سلطة الدولة.
ولفت إلى تزايد الصراعات وامتدادها عبر الحدود، وسط فشل الحلول العسكرية، وتزايد الاحتياجات الإنسانية.
ويُقرّ الاتحاد الأفريقي بهذه التحديات، لكن استجاباته لا تزال بطيئة ومركزية ومنفصلة عن الواقع على الأرض.
ويقترح الباحث أحد الحلول العملية وهو إنشاء أمانات مصغرة متقدمة الانتشار، ومراكز أزمات صغيرة ومرنة تتمركز داخل مناطق النزاع أو بالقرب منها.
وأضاف: "بدلاً من الاعتماد على التقارير غير المباشرة والبعثات الدبلوماسية المتأخرة، يمكن للاتحاد الأفريقي الحفاظ على وجود أمني دائم في منطقة الساحل، من خلال مركز في نيامي أو واغادوغو، ومكتب مراقبة لمنطقة البحيرات العظمى في غوما، ومكتب استقرار لمنطقة القرن الأفريقي في مقديشو، ووحدة مخصصة للتمرد في شمال موزمبيق، تعمل انطلاقاً من بمبا".
وتابع: "لن تحل هذه المكاتب محل المقر الرئيسي في أديس أبابا، بل ستكمله من خلال توزيع المعلومات الاستخباراتية، وتسريع أوقات الاستجابة، وربط الاتحاد الأفريقي بالواقع المعيش للنزاع".
وأردف: "هكذا تعمل المؤسسات الأمنية الحديثة، فهي لا تدير الأزمات من بعيد، بل تتمركز على مقربة كافية لفهم طبيعة الأحداث والجهات الفاعلة والتكاليف البشرية".
وبالنسبة للاتحاد الأفريقي، فإن التطور في هذا الاتجاه ليس خياراً، بل هو السبيل الوحيد لتجنب التهميش في وقت يتغير فيه المشهد الأمني في أفريقيا بوتيرة أسرع من قدرة المؤسسة المصممة لحمايته، على حد وصف الباحث.