كان النفط والفحم والذهب تُشكِّل أساس العلاقات الاقتصادية بين الصين وفنزويلا، وباتت الاستثمارات الصينية البالغة قيمتها أكثر من 100 مليار دولار مهددة بعد العملية العسكرية الأمريكية التي أسفرت عن القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، وفق صحيفة "يوراسيان تايمز".
فهل تتحول "المكافأة الاقتصادية الكبرى" التي حققتها بكين إلى خسارة إستراتيجية؟
في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، مع نمو الاقتصاد الصيني بمعدل غير مسبوق، ازدادت حاجة بكين إلى النفط والمعادن الأساسية لتشغيل صناعاتها الثقيلة.
وفي الوقت نفسه، كانت فنزويلا، الغنية بالموارد الطبيعية، تبحث عن أموال نقدية صعبة لدعم اقتصادها المتعثر بعيدًا عن الاعتماد على الولايات المتحدة.
تحوّلت الصين إلى داعم أساسي للنظام الفنزويلي منذ تأميم هوغو تشافيز لصناعة النفط وفرض العقوبات الأمريكية على كاراكاس، وهو ما أعطى بكين فرصة ذهبية لتوسيع نفوذها في منطقة تُعتبر تقليديًّا "الفناء الخلفي" للولايات المتحدة.
وقد ضمّت جهود بكين تزويد فنزويلا برادارات بعيدة المدى لمراقبة تحركات القوات الأمريكية في البحر الكاريبي، فضلًا عن استثمارات ضخمة في قطاع التعدين والبنية التحتية ضمن مبادرة "الحزام والطريق".
لم يكن النفط وحده هدفَ بكين؛ ففنزويلا تزخر بالمعادن الأساسية، بما في ذلك الذهب، والماس، والحديد، والبوكسيت، والعناصر الأرضية النادرة، والكولتان، والنيكل، والنحاس، والزنك، والقصدير، والتيتانيوم.
بين عامي 2005 و2015، قدمت الصين مئات المليارات من الدولارات في شكل مساعدات وقروض، لتصبح فنزويلا أحد أكبر مديني بكين، بما يقارب 105 مليارات دولار وفقًا لـAidData.
كانت الصين أكبر مشتري للنفط الفنزويلي، حيث حصلت على نحو 800 ألف برميل يوميًّا من أصل 900 ألف برميل كانت تصدرها فنزويلا؛ ما يمثل نحو 90% من صادرات النفط الفنزويلية.
في المقابل، استثمرت بكين مليارات الدولارات في مشاريع التعدين والبنية التحتية، وحققت حضورًا كبيرًا في قطاع الاتصالات من خلال شركات، مثل: هواوي وZTE، والتي أسست مشاريع أساسية لشبكة الجيل الرابع ونظام الهوية الوطنية في البلاد.
ومع العقوبات الأمريكية على فنزويلا في 2017 وانخفاض أسعار النفط، تراجعت قدرة كاراكاس على سداد الديون للصين؛ ما اضطر بكين لإعادة هيكلة قروضها ووقف تقديم قروض جديدة.
ومع ذلك، استمرت الشركات الصينية في الاستثمار، مثل: مشروع حقلين نفطيين بقيمة مليار دولار تم توقيعه عام 2024 لتطوير إنتاج 60 ألف برميل يوميًّا بحلول أواخر 2026.
لكن بعد العملية العسكرية الأمريكية الأخيرة، أصبح مستقبل هذه الاستثمارات في خطر؛ فالأصول النفطية الصينية في فنزويلا قد تفقد ميزتها التفضيلية، وقد تدخل شركات أمريكية عملاقة، مثل: شيفرون إلى السوق؛ ما يقلص سيطرة الصين شبه الكاملة على النفط الفنزويلي.
تفتح السيطرة الأمريكية على فنزويلا الباب أمام مراجعة جميع الاتفاقيات الموقعة في عهد مادورو، بما في ذلك قطاع التعدين والاتصالات.
في السياق، حذّر المحللون من أن الشركات الصينية قد تُجبر على تفكيك أو حظر معداتها الأساسية، كما حصل مع هواوي في الولايات المتحدة وكندا والمملكة المتحدة، بسبب المخاوف الأمنية.
الأكثر إثارة للقلق هو أن نفوذ الصين في أمريكا اللاتينية بأكملها قد يكون مهددًا، في ظل تهديدات ترامب بالتدخل في دول أخرى، مثل: بنما وكولومبيا وكوبا والمكسيك، وإحياء مبدأ مونرو الذي يمنح الولايات المتحدة الحق الأوحد في النفوذ بنصف الكرة الغربي.
في حال تنفيذ هذه الخطط، فإن بكين لن تخسر فقط أصولًا اقتصادية ضخمة، بل ستفقد أيضًا موطئَ قدَمٍ إستراتيجيًّا اكتسبته على مدى عقدين من الزمن في قلب الفناء الخلفي الأمريكي.