يعود استحقاق انتخاب رئيس الجمهورية العراقية مجدداً إلى واجهة المشهد السياسي، وسط انقسام كردي يهدد بإعادة إنتاج الفراغ الدستوري، بعد أيام قليلة من حسم رئاسة مجلس النواب.
ومع اقتراب الموعد النهائي لتقديم طلبات الترشيح، تبدو بغداد أمام اختبار سياسي كبير، يتقاطع فيه الخلاف الكردي الداخلي مع حسابات القوى الشيعية والسنية، ولا سيما داخل الإطار التنسيقي، الذي يجد نفسه أمام معادلة معقدة، في ظل غياب توافق كردي واضح.
وأعلنت رئاسة مجلس النواب العراقي، أن غداً الاثنين "5 كانون الثاني/ يناير 2026" سيكون الموعد النهائي لتقديم طلبات الترشيح لمنصب رئيس الجمهورية؛ ما يضع القوى السياسية أمام مهلة ضيقة لحسم خياراتها، ويعيد إلى الأذهان سيناريوهات التعطيل التي رافقت هذا الاستحقاق في دورات سابقة.
الخلاف الكردي، الذي يتمحور تقليدياً بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، لم يعد يقتصر على مبدأ "أحقية المنصب"، بل اتسع ليشمل آلية الترشيح، وطبيعة المرشح، وحدود الدعم الممكن في بغداد؛ فبينما يتمسك الاتحاد الوطني باعتبار المنصب استحقاقاً سياسياً له، يلوّح الحزب الديمقراطي بخيارات بديلة، سواء عبر الفضاء الكردي أو من خلال بناء تفاهمات أوسع داخل البرلمان.
وفي هذا السياق، قال عضو الحزب الديمقراطي الكردستاني صبحي المندلاوي، إن "المعطيات تشير إلى أن الاتحاد الوطني لا يزال مصمماً على أن يكون منصب رئاسة الجمهورية من حصته، وهو يعتمد في ذلك على أطراف سياسية داخل الإطار التنسيقي، في حال تم اللجوء إلى ما يعرف بالفضاء الوطني لتمرير مرشحه، كما حدث في مرات سابقة".
وأضاف المندلاوي لـ"إرم نيوز"، أن "الوضع هذه المرة يبدو مختلفاً، وهناك حسابات جديدة قد تحكم المشهد، لكن في المحصلة نحن لسنا ضد ترشيح شخصية من الاتحاد الوطني، شرط أن تكون شخصية قوية وقادرة على ملء هذا المنصب، وإذا ما كان هناك اتفاق كردي جامع على اسم محدد فلا مانع لدينا".
في المقابل، تكشف أوساط قريبة من الاتحاد الوطني الكردستاني عن حالة ارتباك داخل الحزب، ناجمة عن تعدد الأسماء المطروحة وغياب قرار نهائي يحسم هوية المرشح.
سياسي مقرب من الاتحاد الوطني، طلب حجب اسمه، قال لـ"إرم نيوز"، إن "الحزب يمر بحالة إرباك في ملف رئاسة الجمهورية، إذ جرى تسريب أربعة أسماء خلال الفترة الماضية، لكنها لا تحظى بإجماع داخلي كبير ولا بفرص حقيقية للمرور في بغداد"، مضيفاً أن "هذه الأسماء تواجه اعتراضات داخل البيت الكردي نفسه، فضلاً عن تحفظات لدى قوى سياسية فاعلة في البرلمان".
وبحسب السياسي، فإن اسم خالد شواني يُطرح في بعض الدوائر بشكل غير رسمي، مدعوماً من قيادات في كركوك، إلا أن هذا الطرح "لا يزال محاطاً بتجاذبات واضحة بين الحزبين الكرديين، ولا يمكن اعتباره خياراً ناضجاً أو متفقاً عليه".
أما رئيس الجمهورية الحالي لطيف رشيد، فيؤكد السياسي أن "حظوظه باتت ضعيفة جداً، كونه غير متبنى بشكل فعلي من قيادة الاتحاد الوطني، ولا يحظى بدعم الحزب الديمقراطي، فيما تفهم فكرة إعادة ترشيحه على أنها مبادرة محدودة التأثير داخل الحزب".
وهذا المشهد الكردي المنقسم ينعكس مباشرة على توازنات بغداد، حيث يتطلب انتخاب رئيس الجمهورية حضور ثلثي أعضاء مجلس النواب، أي 220 نائباً من أصل 329؛ ما يجعل أي تحرك أحادي من دون توافق واسع عرضة للتعطيل.
وفي ظل هذه المعادلة، يجد الإطار التنسيقي نفسه أمام إحراج سياسي، إذ إن دعم مرشح كردي دون توافق الأحزاب الكردية قد يفتح باباً لخلافات أوسع حتى داخل الإطار نفسه، في وقت يسعى إلى إدارة مرحلة ما بعد انتخاب رئاسة البرلمان بأقل قدر من الصدامات.
وتزداد أهمية هذا الاستحقاق كونه يشكل الحلقة الثانية في المسار الدستوري لتشكيل الحكومة الجديدة، بعد انتخاب رئيس البرلمان ونائبيه، خاصة وأن التأخير في حسم رئاسة الجمهورية يعني تلقائياً تأجيل تكليف مرشح الكتلة الأكبر بتشكيل الحكومة، وما يرافق ذلك من تعطيل قد يهدد التوازنات داخل الإطار التنسيقي نفسه.