رأى مراقبون للشأن العراقي أن المشهد السياسي في البلاد يمر بمرحلة تفكك واهتزاز للتفاهمات غير المكتوبة التي حكمت إدارة البلاد منذ عام 2003، في ظل مؤشرات متراكمة توحي بأن بعض "الأعراف السياسية" لم تعد تدار بذات الصلابة، رغم استمرارها شكلياً داخل بنية النظام.
ومنذ سقوط نظام صدام حسين 2003، انبثقت مجموعة من القواعد والتفاهمات غير المعلنة التي نظمت توزيع المناصب العليا، وأدارت التوازنات بين القوى والمكونات، مستندة إلى مبدأ المحاصصة السياسية والتوافقات المغلقة، وبقيت هذه الأعراف فاعلة حتى مع تغير الحكومات وتبدّل التحالفات، لتشكّل ما يشبه الإطار الضابط للعملية السياسية.
إلا أن التطورات الأخيرة، ولا سيما ما رافق حسم رئاسة مجلس النواب ونائبيه، كشفت عن مساحات توتر داخل هذه التفاهمات، أبرزها التمرد العلني على مرشح الحزب الديمقراطي الكردستاني الذي يتزعمه مسعود بارزاني لمنصب النائب الثاني لرئيس البرلمان، وهو سلوك نادر قياساً بما جرت عليه الأعراف السياسية في الدورات السابقة، حيث كانت مثل هذه المواقع تُحسم مسبقاً داخل غرف التفاوض المغلقة.
وفي هذا السياق، أكد المحلل السياسي حسين العون أن "الاستحقاق التالي المتعلق برئاسة الجمهورية سيكون أكثر حساسية في هذه الدورة، خاصة مع الحديث عن اقترانه بتسمية نواب للرئيس، وهو ما سيشكل عبئاً سياسياً إضافياً على الكيانات المعنية".
وأوضح العون لـ"إرم نيوز" أن "تشكيل الحكومة وحسم المناصب ما زال خاضعاً للأعراف السياسية ما بعد 2003، وكذلك الحجوم المرتبطة بوزن الكتل وتمثيلها داخل البرلمان، ما يجعل توزيع المناصب العليا عاملاً مؤثراً في موازين التفاوض والتحالفات”، مؤكداً أن "ما بعد حسم رئاسة البرلمان لن يكون سهلاً، وأن المراحل المقبلة ستتطلب تفاهمات أعمق وقدرة أعلى على إدارة التعقيدات".
وترافقت هذه التطورات مع تعقيدات متزايدة داخل الإطار التنسيقي، خصوصاً في ملف اختيار رئيس الوزراء، حيث لم تنجح الاجتماعات المتلاحقة في تضييق قائمة المرشحين، وبقيت الأسماء المطروحة ضمن دائرة واسعة، ما أعاد إلى الواجهة أحاديث عن دور المرجعية الدينية في النجف، وإن بقي هذا الدور ضمن حدود المشورة العامة دون تدخل مباشر.
لكن في المقابل، يؤكد مختصون أن هذه الحالة من الغموض لا تعني بالضرورة انهيار الأعراف السياسية، بقدر ما تؤشر ضغطاً متزايداً على آليات إدارتها، سواء بفعل الانقسامات الداخلية، أو بسبب المتغيرات الإقليمية والدولية.
وفي مقدمة المستجدات وفق مختصين، تصاعد الضغوط الأمريكية والدولية باتجاه تحديث المنظومة السياسية، والانتقال ولو جزئياً إلى التعاطي وفق النصوص القانونية والمؤسساتية بدلاً من التسويات التقليدية.
ورغم هذه المؤشرات، يرى أستاذ الإعلام والباحث الأكاديمي غالب الدعمي أن الحديث عن تفكك التفاهمات السياسية قد لا يعكس حقيقة ما يجري خلف الكواليس.
وأوضح الدعمي في حديث لـ"إرم نيوز" أن "التفاهمات السابقة لم تتفكك فعلياً، فانتخاب رئيس البرلمان تم باتفاق واضح، ولو لم تكن هناك إرادة سياسية لتمريره لما حصل على الأصوات اللازمة"، مضيفاً أن "ما يبدو للإعلام على أنه تفكك هو في الواقع جزء من تفاهمات متفق عليها مسبقاً، والدليل أن شخصيات لم تكن مطروحة بقوة وصلت إلى مواقع متقدمة بفضل هذه التفاهمات".
وأضاف أن "قواعد السلطة السياسية لا تزال قائمة، وأن ما يجري هو إعادة توزيع داخل الإطار نفسه أكثر مما هو خروج عليه، لكن ربما ما يحصل هو إدارة التفاهمات بمرونة أعلى وبهوامش إعلامية أوسع".
ومع دخول قوى سياسية جديدة إلى المشهد النيابي، وتراجع حضور أحزاب تقليدية كانت فاعلة في دورات سابقة، بدأت ملامح إعادة تشكل بطيئة داخل الخريطة السياسية، حيث صعدت شخصيات براغماتية تعتمد على شبكات نفوذ مرنة وتحالفات متغيرة، بدلاً من الانتماءات الأيديولوجية الصلبة التي ميّزت مرحلة ما بعد 2003.
وتشير معطيات وقراءات سياسية إلى أن تشظي الأحزاب الكبرى وتآكل قدرتها على الاحتفاظ بكتل متماسكة، فتح المجال أمام صيغ تنظيمية أقل صلابة وأكثر قابلية للتكيف، ما جعل عملية التفاهم السياسي أقرب إلى إدارة مصالح سريعة، تُبنى وتُفكك وفق موازين القوة داخل البرلمان، وليس وفق قواعد ثابتة أو أعراف مستقرة كما كان سائداً في مراحل سابقة.
بدوره، أكد الباحث السياسي علي السامرائي، أنه "من الضروري أن تنسجم النصوص المكتوبة، والأعراف المتداولة مع الواقع العملي ومصلحة الدولة والمواطن، ولا سيما تلك المرتبطة بأسس العملية السياسية"، مبيناً أن "المتغيرات المتسارعة في الأجيال والثقافات والمشاريع الإقليمية والدولية، إلى جانب موقع العراق الجغرافي الحساس، تفرض رؤية تتجه نحو الاستقرار والأمن".
وأضاف السامرائي لـ"إرم نيوز" أن "الجمود أمام هذه التحولات يقود حتماً إلى التراجع، وقد يحمل نتائجه السلبية لمن يأتي لاحقاً، حتى وإن لم تظهر الصراعات اليوم، فإن تطور الأحداث كفيل بفرضها وانتزاع الحقوق بوسائل مختلفة".