تتجه الأنظار إلى المبعوث الجديد للأمم المتحدة إلى السودان، بيكا هافستو، وسط رهان دولي ومحلي على قدرته على العودة لمسار التسوية السياسية للأزمة السودانية.
ويرى سياسيون سودانيون، أن تعيينه يأتي لما يملكه من خبرة دبلوماسية تمتد لأربعة عقود، لا سيما في فض النزاعات، واطلاع واسع على الجغرافيا السياسية في السودان من خلال مشاركته في مفاوضات دارفور، ما يمنحه ميزة إضافية وأفضلية لإدارة المشهد وصولًا إلى حل للأزمة.
وتشير المعطيات إلى أن خبرة هافستو قد تسمح له بتجاوز كثير من العقبات، لا سيما فهم الواقع "الإخواني" الذي يسيطر على قوات بورتسودان، ما يجعله خيارًا مناسبًا للتعامل مع تعقيدات هذه المهمة وفرض إرادة سياسية تنهي هذه الحرب.
في هذا السياق، قال مساعد رئيس حزب الأمة القومي السوداني، عروة الصادق، إن "تعيين بيكا هافيستو مبعوثًا شخصيًا للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان يشكل محاولة لإعادة ضبط مسار الجهد الدولي بعد تعثر الوساطات وتراجع الثقة بين الأطراف السودانية والأممية، ويأتي بخبرة دبلوماسية تمتد لأربعة عقود في فض النزاعات وصناعة السلام، إضافة إلى خبرته وزيرًا للخارجية في فنلندا، ومشاركته في مهام أممية واسعة في مناطق توتر مختلفة".
وأضاف الصادق لـ"إرم نيوز"، أنه "يدخل الملف السوداني مستندًا إلى معرفة سابقة اكتسبها خلال عمله ممثلًا خاصًا للاتحاد الأوروبي بشأن السودان ومشاركته في مفاوضات دارفور ومتابعته لمرحلة ما بعد اتفاق السلام الشامل العام 2005، ما يمنحه فهمًا للبنية العميقة للأزمة وآليات التفاوض والمناورة لدى النخب ذات المرجعية الإخوانية".
وأوضح أنه "انطلاقًا من هذه الخلفية، يمكن أن يضطلع بأربع حزم عمل رئيسة إذا توفر له التفويض السياسي والدعم الدوليان، في مقدمتها توحيد منصات الوساطة، وردم فجوة تعدد المسارات بين جدة والاتحاد الأفريقي ومبادرات أخرى، عبر صياغة منصة مشتركة تجمع الجهود الأمريكية والأفريقية والعربية ضمن جدول زمني واضح بدعم أممي".
وأشار الصادق، إلى أن "من مهامه أيضًا تحييد تأثير تحالف المال والتنظيم الإخواني على العملية التفاوضية، مستفيدًا من خبرته في دارفور وما بعد اتفاق السلام الشامل، حيث كانت الحركة الإسلامية تعتمد إستراتيجية كسب الوقت وتجزئة القضايا وإنتاج نصوص تحتمل تأويلات لاحقة، إضافة إلى استخدام الاقتصاد وشبكات المال أداة ضغط خفية، وهذه الخبرة تمنحه قدرة على الدفع نحو رقابة دقيقة على المال السياسي وشركات اقتصاد الحرب وربط أي انفتاح اقتصادي بخطوات إصلاحية ملموسة".
وذكر أن "خبرته الطويلة في الملفات البيئية والإنسانية قد تفتح الباب أمام مقاربة تتعامل مع دارفور وكردفان والشرق بوصفها مناطق تحتاج إلى خطة سلام تراعي أثر الدمار والنزوح والضغط على الموارد، لا مجرد ترتيبات سياسية بين قيادات الخرطوم.
وبيّن الصادق، أن "أمام المبعوث 3 سيناريوهات: منصة جامعة توحد الفاعلين الدوليين والإقليميين، وهو الأكثر نضجًا ويتطلب إرادة دولية متماسكة؛ واختراق جزئي يحقق تقدمًا محدودًا في ملفات مثل الممرات الإنسانية؛ وسيناريو إعادة إنتاج صفقة نخب بين قيادة بورتسودان والدعم السريع ونخب محدودة، وهو المسار الأخطر لأنه يعيد إنتاج الأزمة ويقود إلى دورة عنف جديدة".
وأكد أن "القيمة المضافة لهافيستو تكمن في خبرته في التعامل مع النمط الإخواني ورصد خطاب تحالف المال والتنظيم، وقدرته على كشف آليات الالتفاف على الاتفاقات، بما يؤهله للدفع نحو صياغات دقيقة وآليات رقابة تمنع إعادة التمكين بواجهات جديدة"، لافتًا إلى أنه "يدرك أن جوهر الصراع يتجاوز الشخصيات العسكرية إلى صراع أعمق حول شكل الدولة بين مشروع عسكري أيديولوجي مغلق وكتلة اجتماعية تسعى إلى دولة مدنية".
ورأى أن "نجاح مهمته يتطلب تفويضًا واضحًا من مجلس الأمن، ولو دعا الأمر إلى التدخل بموجب الفصلين السادس والسابع من ميثاق الأمم المتحدة، ودعمًا إقليميًا حقيقيًا، وانفتاحًا على القوى السياسية وقوى الثورة ولجان المقاومة وتجمعات المهجر والنساء، مع وضع ملف العدالة الانتقالية في صلب العملية، والاعتراف بأن تحالف المال والتنظيم الإخواني والمخططين لانقلاب أكتوبر يمثلون عائقًا بنيويًا يحتاج إلى معالجة متكاملة".
واختتم الصادق حديثه بالتأكيد على أن" خارطة السلام في السودان تحتاج إلى مبعوث يجمع خبرة تفاوضية عميقة وإدراكًا لطبيعة النظام الذي قاد البلاد إلى الحرب، وهافيستو قادر، إذا توافرت الإرادة الدولية، على فتح نافذة نحو مسار يوحد الجهود ويطلق عملية سياسية شاملة ويمهد لسلام مستقر ومشروع دولة قابل للحياة".
من جانبه، قال الناطق الرسمي باسم "حركة تحرير السودان الديمقراطية" الطاهر أبكر إحيمر، إن "الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، صحح هذه المرة خطأه، بالنظر إلى أن المندوب السابق لم يحقق نتائج جيدة خلال عامين من مهمته".
وأضاف إحيمر لـ "إرم نيوز"، أن "الأمم المتحدة عادت وصححت المسار بتعيين هافيستو لقيادة المرحلة المقبلة، باعتباره سياسيًا ودبلوماسيًا مخضرمًا، ولديه خبرة عميقة جدًا في الملف السوداني، إذ سبق أن عمل مندوبًا خاصًا للاتحاد الأوروبي إلى السودان وإثيوبيا بين عامي 2005 و2007، وكان له دور بارز في مفاوضات سلام دارفور".
وأشار إلى أن "خبرته تعززت خلال توليه منصب وزير الخارجية الفنلندي بين عامي 2019 و2023، حيث نجح في ضم فنلندا إلى حلف الناتو، فضلًا عن امتلاكه خبرة عالمية في الوساطة الدولية، بعدما شارك في وساطات دولية في أفغانستان والعراق وحوض تشاد".
وأكد إحيمر، أن "تعيينه مبعوثًا إلى السودان، مع خبرته السابقة في السودان وإثيوبيا، يجعله ملمًا بالجغرافيا السياسية للمنطقة، كما أن لديه معرفة بالوضع التشادي، والتوازنات في شرق وشمال أفريقيا".
ولفت إلى أنه "يتمتع بعلاقات إقليمية ودولية، وحكمة دبلوماسية، وقدرة عالية على الحوار، مستندًا إلى فهم عميق للجغرافيا السياسية في المنطقة"، متوقعًا في الوقت ذاته أن "يواجه اصطدامًا مع معسكر بورتسودان المنتمي إلى الإخوان المسلمين".