logo
العالم العربي
خاص

تحول ميداني مفاجئ.. "الدعم السريع" تعيد رسم الخارطة العسكرية في النيل الأزرق

أفراد من قوات الدعم السريعالمصدر: (أ ف ب)- أرشيفية

تشهد مناطق جنوب إقليم النيل الأزرق تحوّلًا ميدانيًا متدرّجًا مع توسّع انتشار قوات الدعم السريع، بالتنسيق مع الحركة الشعبية شمال، في محيط بلدتي سلك وملكن.

وهذا التقدّم جاء بعد عمليات امتدّت لساعات طويلة، وأدّى إلى تثبيت وجود عسكري في عقد جغرافية ترتبط مباشرة بمحاور الحركة والإمداد بين الإقليم وولاية سنار. كما تشير التطورات الميدانية إلى انتقال مركز الثقل العسكري نحو الأطراف الجنوبية الشرقية، حيث تتداخل الجغرافيا مع الاقتصاد ومع خطوط الاتصال الإقليمية.

مصدر عسكري سوداني مطّلع على حركة القوات في النيل الأزرق يوضح لـ"إرم نيوز" أن الانتشار الحالي لقوات الدعم السريع يعكس قدرة تنظيمية عالية في إدارة مساحات واسعة، مع اعتماد على وحدات متحرّكة وشبكات إسناد محلية.

وأكد المصدر أن السيطرة على سلك وملكن أتاحت فتح مسارات اتصال داخلية تربط بين مناطق جنوب الإقليم ومحيطه، وأسهمت في توسيع نطاق الحركة خارج الخطوط التقليدية للاشتباك.

أخبار ذات علاقة

هجوم شنته قوات الدعم السريع في بورتسودان

الدروع البشرية.. سلاح "قوات بورتسودان" لعرقلة تقدم "الدعم السريع"

ويتميز جنوب النيل الأزرق بتضاريس زراعية وغابية كثيفة، مع شبكة طرق فرعية متشعّبة، وامتدادات سكانية ريفية مترابطة. هذه الخصائص وفّرت بيئة ملائمة لقوات تعتمد على الانتشار المرن وإدارة العمليات عبر مجموعات صغيرة. المصدر العسكري يشير إلى أن هذا النمط مكّن قوات الدعم السريع من التحرك بكفاءة عالية، ومن الحفاظ على تماسك خطوطها في مواجهة أي ضغط ميداني.

إدارة المساحات وتثبيت السيطرة

المعلومات المتوفرة تفيد بأن السيطرة في هذه المناطق تقوم على إدارة الأرض والسكان في آن واحد، عبر تأمين طرق الإمداد الزراعي، وتنظيم الحركة داخل القرى والمزارع، وضبط المسارات المؤدية إلى العمق الإقليمي، حيث منح هذا النموذج قوات الدعم السريع قدرة على تثبيت نفوذها ضمن نطاق واسع دون الحاجة إلى تمركز كثيف.

أخبار ذات علاقة

قوات الدعم السريع

ضغط متزامن وتحركات خاطفة.. "الدعم السريع" تفرض معادلة جديدة في كردفان

وخلال الساعات الماضية، عاد جنوب ولاية النيل الأزرق إلى واجهة التطورات العسكرية بعد فترة هدوء نسبي، مع تجدّد المعارك في محيط محلية باو والمناطق المتصلة بها. تقارير ميدانية متقاطعة أفادت باندلاع مواجهات واسعة النطاق، تمركزت حول بلدتي السلك وملكن، حيث نفّذت قوات الدعم السريع، بالتنسيق مع الحركة الشعبية شمال، عمليات هجومية متزامنة على أكثر من محور، ما أدى إلى تغيّر ملموس في خريطة السيطرة المحلية.

هذه العمليات جاءت بصيغة هجوم منظّم امتد لساعات، وأسفر عن تراجع وحدات عسكرية لقوات بورتسودان من مواقع كانت تُعدّ نقاط تماس ثابتة خلال الأشهر الماضية. مصادر محلية تحدثت عن حركة انسحاب باتجاه محيط الدمازين، في مقابل توسّع انتشار قوات الدعم السريع داخل القرى والمناطق الزراعية المحيطة.

كذلك أشارت تقارير ميدانية إلى تقدّم وحدات من قوات الدعم السريع من اتجاهات متعددة في جنوب الإقليم، مع تركيز خاص على محور باو باعتباره نقطة عبور أساسية نحو عمق النيل الأزرق. هذا التقدّم ترافق مع سيطرة فعلية على طرق فرعية ومسارات زراعية، ما منح قوات الدعم السريع قدرة على التحرك داخل نطاق أوسع دون احتكاك مباشر في بعض المناطق.

مصادر محلية متابعة للوضع الميداني أفادت أيضًا لـ"إرم نيوز" بأن الهجوم اتسم بكثافة نارية متوسطة وانتشار بري واسع، مع اعتماد على وحدات خفيفة الحركة، الأمر الذي سمح بفرض وجود مستقر داخل البلدات المستهدفة. هذا النمط من العمليات يعكس توجهًا واضحًا نحو تثبيت السيطرة الميدانية وإدارة المساحات، وليس الاكتفاء بعمليات ضغط مؤقتة.

الروصيرص والحدود المفتوحة

يشار إلى أن بلدتي سلك وملكن تمثّلان نقطتي ارتكاز في شبكة الربط بين جنوب النيل الأزرق وولاية سنار، كما ترتبطان بمحاور تقود نحو مناطق قريبة من الحدود الإثيوبية. حيث وفّرت السيطرة عليهما لقوات الدعم السريع القدرة على إدارة حركة العبور بين أقاليم مختلفة، مع تأثير مباشر على تدفّق الإمدادات والسلع الزراعية.

مصدر سياسي سوداني متابع لتطوّرات الإقليم يرى خلال حديثه لـ"إرم نيوز" أن هذا التقدّم يعكس توجّهًا منظّمًا لبناء نفوذ مستدام في مناطق الإنتاج والموارد، كما يشير المصدر إلى أن السيطرة على عقد جغرافية من هذا النوع تمنح الفاعل العسكري قدرة على التأثير في الاقتصاد المحلي، وعلى توسيع دائرة حضوره في أي مسار سياسي قادم مرتبط بإعادة ترتيب السلطة على المستوى الإقليمي.

يقع خزان الروصيرص ضمن نطاق التأثير غير المباشر للتقدّم الحالي. الاقتراب من محيطه أدخل المنشأة ضمن الحسابات العسكرية والسياسية المرتبطة بإدارة الصراع. الخزان يشكّل ركيزة أساسية في منظومة الكهرباء والمياه، وتأثير أي توتّر في محيطه ينعكس على الاستقرار الخدمي في مساحات واسعة من البلاد.

أخبار ذات علاقة

قوات الدعم السريع

الدعم السريع تقدم "توضيحاً واعتذاراً" للجيش التشادي

ويؤكد المصدر السياسي أن إدراج محيط الخزان ضمن مسرح العمليات يعبّر عن إدراك لأهمية البنية التحتية في معادلة النفوذ. هذا التطوّر يضيف بعداً اقتصادياً إلى الصراع، ويمنح القوى المسيطرة على الأرض قدرة على التأثير في ملفات تتجاوز الإقليم نفسه.

ويرتبط جنوب النيل الأزرق بحدود مفتوحة مع إثيوبيا وبمسارات غير مباشرة نحو جنوب السودان. هذا الامتداد الجغرافي يمنح أي قوة فاعلة في الإقليم هامش حركة أوسع في ما يتصل بالإمداد والتواصل. المصدر العسكري يشير إلى أن السيطرة الحالية أتاحت مراقبة طرق فرعية مستخدمة تاريخياً في الحركة التجارية والزراعية، مع إمكانية تنظيمها ضمن منظومة نفوذ محلية.

أخبار ذات علاقة

قوات الدعم السريع

أسبوع الحسم في النيل الأزرق.. "الدعم السريع" تغيّر معادلات الميدان في السودان

النيل الأزرق في قلب إعادة توزيع النفوذ

كما يرى المصدر السياسي أن هذا الامتداد يرفع من وزن الإقليم في المعادلة العامة للصراع، ويضعه ضمن نطاق اهتمام أطراف إقليمية تراقب تطوّرات الميدان وتأثيرها على الاستقرار الحدودي.

ويعكس التقدّم الذي حققته قوات الدعم السريع في جنوب النيل الأزرق تحوّلًا في توزيع القوة على مستوى الأقاليم، فالسيطرة على الأرض جاءت مصحوبة بإدارة محلية للمساحات والموارد، وبحضور فعلي داخل شبكة العلاقات الاجتماعية والاقتصادية. كما يفرض هذا الواقع الجديد معطيات مختلفة على مسار الصراع، ويعزّز دور الأقاليم الطرفية في تحديد اتجاهاته.

من ناحيته يلفت المصدر العسكري إلى أن المرحلة المقبلة مرشّحة لمزيد من إعادة الانتشار وتثبيت النقاط المسيطر عليها، مع تركيز على إدارة المساحات الحيوية. فيما يُبيّن المصدر السياسي أن هذا المسار يضع النيل الأزرق في موقع متقدّم ضمن خريطة النفوذ، ويجعل الإقليم أحد المفاتيح الأساسية لفهم توازنات القوة في السودان خلال المرحلة الراهنة.

وقد جاءت التحركات التي شهدتها منطقتا السلك ومكلن خلال الساعات الماضية في سياق مسار توسّع متدرّج لقوات الدعم السريع داخل جنوب النيل الأزرق. التقارير الواردة من الميدان تؤكد أن هذه المناطق باتت تشكّل نقاط ارتكاز ضمن شبكة ربط تمتد بين محاور الجنوب ومحلية باو، مع تأثير مباشر على حركة الإمدادات المحلية والتواصل بين القرى.

الجغرافيا كأداة نفوذ ميداني

من جانبه، يَعتبر جوناثان ريد، المحلّل المتخصص في شؤون النزاعات المسلحة، خلال حديثه لـ"إرم نيوز" أن ما يجري في النيل الأزرق يعكس انتقالًا متقدّمًا في طريقة اشتغال قوات الدعم السريع على الجغرافيا، حيث لم تعد العمليات محصورة في منطق الضغط العسكري المباشر، إنما باتت تتمحور حول إعادة تنظيم الفضاء الذي تُدار فيه الحرب. 

من وجهة نظره، فإن التقدّم في جنوب الإقليم لا يمكن فصله عن فهم عملي لطبيعة المناطق الطرفية في السودان، باعتبارها مساحات مفتوحة لإعادة توزيع القوة بعيداً عن مراكز القرار التقليدية.

كما يذهب ريد إلى أن النيل الأزرق يقدّم نموذجاً مختلفاً عن مسارح القتال الأخرى، لأن السيطرة فيه تُقاس بقدرة الفاعل العسكري على الاستقرار داخل شبكة الطرق غير الرسمية، والمسارات الزراعية، والعلاقات المحلية. هذا النوع من السيطرة، بحسب تحليله، ينتج واقعاً ميدانياً يصعب تفكيكه بالوسائل العسكرية الكلاسيكية، ويؤسس لنفوذ طويل الأمد حتى في ظل غياب اعتراف سياسي مباشر.

إعادة تشكيل السلطة المحلية

الباحث السياسي السوداني، إسماعيل عبد الرحمن، يرى خلال حديثه لـ"إرم نيوز" أن تقدّم قوات الدعم السريع في النيل الأزرق يكشف عن فراغ سياسي وإداري تراكمي أكثر مما يعكس مجرّد تفوّق ميداني. ففي تقديره، عاشت هذه المناطق سنوات طويلة خارج معادلات التنمية والاستقرار، ما جعلها أكثر قابلية لإعادة تشكيل السلطة فيها من قبل القوى القادرة على الحضور المباشر.

يركّز عبد الرحمن على البعد الاجتماعي للتقدّم، معتبرًا أن ما يجري في السلك وملكن يرتبط بقدرة الدعم السريع على التفاعل مع البنية المحلية. 

ويضيف أن النيل الأزرق يمثّل حالة كاشفة لتحوّل الصراع في السودان من مواجهة بين مؤسسات إلى صراع على إدارة الفراغ. من هذا المنطلق، فإن التقدّم الحالي يغيّر خطوط السيطرة، ويعيد تعريف من يملك القدرة على الفعل داخل الإقليم. 

logo
تابعونا على
جميع الحقوق محفوظة © 2026 شركة إرم ميديا - Erem Media FZ LLC