يواجه المواطنون الفلسطينيون في قطاع غزة، ظروفًا إنسانية صعبة للغاية، حتى بعد أكثر من 100 يوم على إعلان اتفاق وقف إطلاق النار وإنهاء الحرب، نتيجة تراجع إمدادات المياه، وتكدس النفايات، وانهيار البنية التحتية بشكل واسع.
ويزيد نقص الخدمات والمعدات، وانتشار الأمراض والحشرات، وغياب مساكن بديلة للنازحين من تعقيد الوضع، مما يضيف عبئًا على مئات آلاف الغزيين الذين يقيمون في خيام مهترئة أو في منازل آيلة للسقوط.
ومع دخول فصل الشتاء يعاني الغزيون من البرد الشديد في الخيام التي لا تقيهم من انخفاض درجات الحرارة، فضلاً عن غياب تام لوسائل التدفئة.
الطفل محمد البسيوني الذي أتم عامه الأول يوم وفاته بسبب البرد خلال آخر منخفض جوي ضرب قطاع غزة، كان واحدًا من عشرة أطفال قضوا جراء البرد.
يقول والده ماهر لـ"إرم نيوز": "عندما نسمع بأن الأجواء ستكون ممطرة أو منخفضًا جويًا بدأ لا نعرف النوم، خشية تطاير خيامنا، أو دخول مياه الأمطار إليها، فضلاً عن الأمراض المنتشرة بسبب الفيروسات التي لا نعلم طبيعتها".
أما وجدان، زوجته المكلومة التي توفي طفلها محمد في حضنها بعد أن تجمدت أطرافه، فتقول إنها "حاولت تأمين الدفء لطفلها لكن كل مقومات الحياة مفقودة"، مشيرة إلى أنها على مدار 6 أشهر حاولت علاجه من تداعيات سوء التغذية بسبب المجاعة.
وتضيف لـ"إرم نيوز" أنها ولدت طفلها بعد معاناة مريرة، إذ لم يكن قد مضى أسبوعان على فقدان عدد كبير من أسرتها، لافتة إلى أن تدهور منظومة الرعاية الصحية فاقمت من حالته الصحية.
ويقول المدير العام لوزارة الصحة في غزة الطبيب منير البرش، إن "المنظومة الصحية قبل الحرب كانت تضم نحو 38 منشأة، ودُمرت بالكامل تقريبًا"، مشيرًا إلى أنه تم ترميم نحو 14 منها جزئيًا.
وأضاف لـ"إرم نيوز": "هذا يعني أنه لا يوجد مستشفى يقدم جميع الخدمات بشكل كامل، وأرسلنا خطة لموازنات إعادة إعمار القطاع الصحي، تضمنت العديد من الأفكار لإعادة النظام الصحي من جديد".
وتابع: "هذه الخطة بين أيدي المانحين بتقارير مفصلة، وإذا سمحوا بإدخال مواد الإعمار ورفع الحصار، سترون قدرة الشعب الفلسطيني على إعادة الإعمار في زمن قياسي".
وأوضح أن "انهيار النظام الصحي أثر بشكل مباشر على تلبية احتياجات السكان بسبب نقص الأدوية والمستلزمات الطبية الأساسية، وأن هناك وفيات بسبب الإنفلونزا الشديدة ونقص المعدات الجراحية، وعمليات كثيرة لم تُجرَ".
وأشار إلى أن هناك مرضى ينتظرون السفر للعلاج في الخارج، لكن المعبر لم يُفتح بعد، مما يضاعف معاناة نحو 18,500 مريض ينتظرون العلاج.
في خان يونس جنوب قطاع غزة، وجد نازحون قرب مقبرة الفرا وسط المدينة، أنفسهم محاطين بجثث خرجت من باطن الأرض، بفعل هطول كميات كبيرة من الأمطار.
يقول محمد السويركي الذي يقيم في خيمة قرب هذه المقبرة لـ"إرم نيوز"، إن "بقاءه وعائلته على قيد الحياة بعد كل ما عاشوه خلال هذه الحرب أشبه بمعجزة".
وأضاف أنه "يقيم هو وعائلته وسط مكرهة صحية وبجوار مقبرة تجري عمليات الدفن فيها بطريقة غير آمنة، بعد أن جرف الجيش الإسرائيلي أجزاء من المقبرة، واضطرار الغزيين لدفن الجثامين على مقربة من سطح الأرض، وفي قبور مقامة فوق بعضها البعض، لانعدام الأماكن المتوفرة للدفن".
وفي حي الرمال أرقى أحياء مدينة غزة، تجري مياه الصرف الصحي في ما تبقى من شوارعه بعد أن دمر الجيش الإسرائيلي أجزاء واسعة من شبكات البنية التحتية، في الوقت الذي يعاني فيه السكان من أزمة مياه خانقة.
وقال المتحدث باسم بلدية غزة حسني مهنا إن المواطنين يعانون من الأزمات المتراكمة، أولها المياه، مشيرًا إلى وجود عجز بنسبة 79% من إجمالي مصادر المياه التي كانت تغذي المدينة.
وأضاف مهنا لـ"إرم نيوز": "هذا الرقم يعطينا مؤشرات صعبة جدًا، وعندما نتحدث عن ذلك يجب أن نوضح أن حصة الفرد الفلسطيني في مدينة غزة انخفضت إلى ما دون 5 لترات يوميًا، في حين كانت تتجاوز التسعين لتراً قبل الحرب".
وتابع: "هذه الكمية اليوم لا تكفي للشرب والطهي والاستحمام والاستخدامات الأخرى، وهذا الأمر نتج عنه أوضاع قاسية ومعقدة بالنسبة للفلسطينيين، فيما يتعلق بمواجهة الأزمات الأخرى، وفي مقدمتها أزمة تسرب مياه الصرف الصحي في الشوارع وطفحها في المناطق المنخفضة والمناطق المنكوبة".
وقال: "التكدس في النفايات بشكل كبير ورهيب جدًا في المدينة، حيث نتحدث عن أكثر من 350 ألف طن من النفايات تتكدس في شوارع وأزقة ومخيمات مدينة غزة، بسبب رفض إسرائيل السماح لطواقم البلدية بالوصول إلى المكب الموجود شرق مدينة غزة".
وأضاف: "نتحدث عن وجود أكثر من 70 مليون طن من الركام في قطاع غزة بشكل كامل، وحصة مدينة غزة لوحدها تتجاوز 25 مليون طن، وهذه كميات كبيرة وتفوق تمامًا قدرة الجهات المحلية على التعامل معها".
وحول التأثير الإنساني على النازحين بسبب انهيار البنية التحتية، قال: "هذه الأزمات انعكست على الواقع الإنساني، أولاً من خلال أن البيئة في قطاع غزة التي أصبحت بيئة مناسبة لانتشار الأمراض والأوبئة بشكل متسارع بين النازحين، الذين يقيمون في أماكن ضيقة بسبب سيطرة إسرائيل على مساحات واسعة من القطاع".